يجلس المعلم على كرسيه الذي يزيده هيبة ووقارًا في نفوس طلابه، يُخرج كتابه، ويأخذ في القراءة عليهم، من متنه وشرحه، فلا ينبس واحدهم أو يلتفت؛ خشية أن تفوته لفظة أو عبارة، وكلهم عينه منصوبة على كاغده، وفي يده قلمه المبري، وإلى جواره بضعة أقلام جاهزة أخرى، حتى لا ينشغل ببري قلمه.

يغلق المعلم كتابه، ويخرج الطالب بما سَطَرهُ من أوراق إضافية، ويجتهد، خلال الأيام التالية، في حفظ ما خَطَّهُ فيها.

كان ذلك مقبولًا في العصور الأولى، عصور ما قبل التطور التكنولوجي، وكان ناجعًا، ومؤثرًا، ومثمرًا، فالمتعلم يملك لغته، وله قدرة على الاستيعاب، وذاكرة قوية، وتحمل وصبر على الدرس، وكانت اللغة في توافق تام مع ثقافة المجتمع، وربما جاز لنا القول إن اللغة كانت هي ثقافة المجتمع، كما نرى في الفترة التي تسبق ظهور الإسلام، وفي القرون الأولى للإسلام ، حيث الصدور هي موضع الذاكرة الأساسي، فكان علماء الحديث – في أزمان لاحقة- يسمون ذلك: «حفظ صدر»، ليفرقوا بينه وبين «حفظ كتاب»، فالأول محفوظاته كلها في صدره، والثاني يقرأ من كتابه ولا يحفظ.

فالمتعلم، في زمن التلقين، يسمع ما يفهمه ابتداءً، ويدرك معانيه، ويعي دلالاته في أغلب الأحوال، فكان المسلمون الأوائل يسمعون آيات الله لأول مرة من رسول الله – صلى الله عليه وسلم- فيفهمون مرادها ومعناها ومقصودها؛ فبرغم صفاتها الإعجازية، إلا أنها نزلت بِلُغتِهم، وأساليبهم، وبلاغتهم، وما سمعنا أن شاعرًا كان يشرح قصيدته لسامعيه، فلم يكن شاعر مثل «كعب بن زهير» في حاجة إلى شرح معاني ألفاظ قصيدته:

بانَت سُعادُ فَقَلبي اليَومَ مَتبولُ ** مُتَيَّمٌ إِثرَهـا لَم يُفـدَ مَكـبولُ

إنما احتجنا نحن ذلك؛ لأننا هجرنا موطننا اللغوي، فما عدنا نعرف سُبُلَه، ونَتُوه في دروبه، وغدونا في شدة الحاجة لمن يرسم لنا خرائطه، ويبين لنا مسالكه «القديمة» تلك، وكأننا سياح نزور آثارًا.

فقد صارت ذاكرتنا خارج صدورنا، نحملها بين أيدينا في ذواكر مادية إلكترونية، جاهزة لاستيعاب ما لا يُحصى من معلومات، وتُمكننا من استرجاع ما نريد على الفور، فاضمحلت ذاكرتنا الطبيعية، وضعفت قدراتها الفطرية.