أذكر جيدًا أول يوم لي في الجامعة، تحديدًا تلك المحاضرة التي كانت ممتلئة بالطلبة الذين لم يتركوا ركنًا من الأركان إلا وجلسوا فيه مُسخرين عقولهم وأذهانهم للمكان العظيم الذي يجلسون فيه، والذي هو حتمًا سيضيف لعقولهم كل ما هو جديد.

دخل الأستاذ المُبجل الذي كنا بانتظاره جميعًا منصتين لما سيقوله، ألقى السلام علينا ثم أخبرنا أنه يجب علينا أن نشعر بالفخر لأننا نجلس في واحدة من أفضل خمسمائة جامعة على مستوى العالم، لا أعلم الغرض من هذه المقدمة، ولم أكن أعلم إن كان هذا الترتيب شيئًا يدعو للفخر حقًّا أم لا.

من الأشياء التي تؤثر في الإنسان كثيرًا هو إحساسه بأن له قيمة وأثرًا ملموسًا يبرز وجوده، والتعليم في بلادنا يصنع منك آلة تحفظ المعلومات لمدة لا تزيد على المدة المتبقية على الامتحان، كل ما هو مطلوب منك هو أن تتشبث بالمعلومات حتى تملأ بها ورقة الامتحان، والأهم من ذلك أن تكون هذه المعلومات مقتبسة كاملةً من كتاب الأستاذ الذي لن يسمح لك بإضافة أي شيء يعبر عن إطلاعك بالعالم الخارجي؛ لأنك بذلك تأتي بمعلومات «من خارج المقرر».

بعد الامتحان لك كامل الحرية في نسيان كل ما سبق؛ بل لك الحرية في التخلص من ذلك الكتاب الذي سمعت عنه إطراءً عظيمًا، فأنت قد قمت بشراء الكتاب كما أُمِرت وهذا هو المطلوب. 

من أهم الأسباب التي جعلت التعليم في بلادنا في وضع متردٍ هو المفهوم الخاطئ للتعلم بشكل عام، فنحن نذهب للمدرسة أو الجامعة فقط لنتعلم –على اعتبار أننا نتعلم– لكن الأهم هو أن نتعلم كيفية التعلم بشكل عام؛ لأن التعلم واكتساب المعرفة لا يقتصر على سنوات الدراسة إطلاقًا، ذلك لأن الإنسان طوال حياته يكتسب مهارات ومعلومات ورحلة تطويره لذاته لا تنتهي.

أتعرفون أن أحد الأسباب التي جعلت من القراءة إثراءً للعقل هو أنك تتطرق إلى المجالات والموضوعات التي تجذبك وتشعل انتباهك، فتغوص في أعماق الكتب وأنت في منتهى السعادة، تتزود بالمعرفة التي أتحداك أن تنساها، بينما نحن مُلتزمون بنسخة من كتاب عقيم يُدرس منذ قرون بحالته البالية تلك دون تجديد، ومع ذلك فأنت مَلزَم ألا تنظر خارجه وكأنهم كانوا يخشون أن ننظر خارجًا فنتخطي علمهم المتواضع، والذي نشأنا مُجبرين على ألا نتخطاه.

الشيء الهزلي هنا هو أننا ونحن على أعتاب المرحلة الجامعية نُمني النفس بالكليات التي نود أن نلتحق بها، ونحن لا نعلم عنها شيئًا، فتجد أحدهم يحلم بأن يلتحق بالهندسة وهو لا يعلم عنها شيئًا سوى تمهيد للمقدمات، فتأتي النتيجة بمجالٍ آخر –كالعادة– على عكس ما يريد، ويكتشف في النهاية أن ميوله كانت مغايرة تمامًا لما أراد، والنتيجة هي أنه يشغل وظيفة لا يرى فيها أي إبداع كسائر الوظائف، وبالتالي يكون إنتاجه مناسبًا تمامًا لإنتاج دولة نامية.

إذا أردنا أن نسير على خطى الدول المتقدمة فيجب علينا أن نشجع كل طالب على الإبداع، أن يكون له نظرة ورأي في كل شيء، أن يكون عقله مليئًا بالأفكار التي تُهيء سبيلًا للنقاش البناء مع غيره، أن يبحث ويفكر في كل شيء حوله ويعي جيدًا أنه من الضروري أن يساهم في العالم الذي يعيش عليه، وألا يكون عائلًا مستهلكًا يغادر حياته كما أتى إليها فارغ الأيدي لم يأت بشيءٍ جديد.

في أحد الأيام، بينما كنت أحضر أوراقي للذهاب للولايات المتحدة الأمريكية، فذهبت لنفس الأستاذ الذي لم أنساه كي يوقع لي على إحدى أوراق السفر، لم أنس نظرته التي أعطتني ملخصًا عن نظرية المؤامرة التي تجتاح عقولنا، خرجت من مكتبه خائب الآمال، ولكنني أردت أن أخبره أن جامعتنا أصبحت ضمن أفضل سبعمائة جامعة على مستوى العالم ربما سيزيده ذلك فخرًا.

أخشى كثيرًا أن يتسلل اليأس إلى نفسي، أو أن أستسلم لدوام الحال للأبد، أخشى أن يأتي يوم أترك فيه بلادي باحثًا عن العلم الذي لم أجده فيها، أو أن أجلس بلا مبالاة أستمع لصوت داليدا الرنان في أغنية عن المسافرين، أصبحت باردًا بشأنها بعد أن كان لها في نفسي أثر عظيم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد