كان يوم في منتصف شهر يوليو بسمائه الصافية وشمسه الحارقة. كان قد مر على ثورة يناير وإسقاط نظام مبارك بضعة أشهر فقط. كانت ثورة يناير سببًا رئيسًا في التحاقي بالجيش بعد أن قرر المجلس العسكري عدم إعفاء أي شخص من دفعة هذا الشهر نظرًا لسوء الموقف الأمني داخل البلاد، غير أنني لم أكن قانطًا على تلك النتيجة، فهذه أول مرة في حياتي أشعر برغبتي في تقديم تضحية مناسبة لخدمة الوطن، وقد رأيت في التحاقي بصفوف الجيش المصري أمرًا مناسبًا لذلك. الآن جاء دوري لأشارك بشيء في بناء دولتنا الجديدة.

 

وصلنا مركز التدريب ليلاً بعد رحلة طويلة ومنهكة تنقلنا خلالها من مكان لآخر استغرقت اليوم بأكمله، حيث تخللها العديد من التفتيشات والمراسم الروتينية المعتادة والتنبيهات العسكرية المتكررة تصدر عن صول متحفز أو مجند متجهم دون سبب واضح تستنزف الوقت والجهد والمال دون مقابل جيد. أتذكر أن الأشياء التي أوصى بشرائها الصول من الكانتين بأهمية بالغة وصرامة خشنة أشعرتني أن معجون الأسنان الذي اشتريته مصلاً سريًّا يقي من الأسلحة البيولوجية، وأن بكرة الخياطة سنستخدمها خلال قفزة الثقة من هليكوبتر أثناء التدريب. نبرة صوته الحادة ولهجته شديدة الجدية وملامحه المعقدة قد أوحوا لي بذلك.

 

أخيرًا وصلنا إلى مركز التدريب بعد عناء يوم مشمس وجاف كان قد استهلك قوانا عن آخرها. الجميع كانوا منهكين وأجسادهم في حاجة ماسة للنوم مثلي، فلا أعتقد أن منهم من قضى ليلته الأخيرة في أحضان الحياة المدنية نائمًا في فراشه. حتى من لا يملك شيئًا يجعله يترك فراشه في تلك الليلة فلن يكون سهلاً عليه استقبال النوم خلال ساعات قليلة تفصل بينه وبين حياة جديدة ومجهول لا يعلم عنه شيئًا.

 

ظننت أنني انتهيت من ذلك اليوم التعس عند دخولنا من بوابة المركز. لكنني وجدت نفسي في ساحة واسعة أستمع فيها إلى وصلة جديدة من التنبيهات قبل الدخول في مرحلة التفتيش البطيء. لم أستطع مقاومة التعب وغطت في النوم على أسفلت تلك الساحة رغمًا عني. لم أكن الوحيد الذي أعلن استسلامه على أرض المعركة، فالجميع منهك مثلي.أنهينا مراسم التفتيش أخيرًا، أو بمعنى أدق أنهت هي علينا. انتقلنا إلى مكان آخر ترمقنا نظرات العساكر الموجودين بالمركز خلال السير من مكان لآخر لم نكن نعلم سببها بعد. بدأنا في استلام “مخلاتنا” المليئة بالملابس العسكرية والملائات الزرقاء والملابس الداخلية البيضاء غريبة الشكل والمضمون قبل أن يتوجه بنا الصول المسئول إلى العنبر المخصص للنوم.

 

ساعات أخرى من الاستهلاك الداخلي. نتجه نحو العنبر في تخبط وبطء شديد كسرب من الزومبيز الجائعين في أحد أجزاء The Walking Dead يجتذبهم دم ذلك الصول السائر أمامهم. أخيرًا سيتمدد ظهري على شيء مريح وتغط عيني في نوم عميق يمحي آثار ذلك اليوم اللعين. أسير باتجاه السرير الذي اختاره لي الصول كزومبي مطيع أنهكه التعب. أضع ظهري برفق على السرير الحديدي في انتظار وحش النوم الجائع ليغتصب روحي المتآكلة. العشرات من العساكر المستهلكة قد وضعت في عنبر واحد يوجد به مروحتا سقف فقط.

 

لست مضطرًا للقول بأن العنبر قد تحول خلال عدة دقائق إلى فرن من أفران هتلر نتيجة أنفاس وآلام وكوابيس وأصوات حناجر النائمين. لم أستطع حتى المكوث مستلقيًا على ظهري متيقظًا. قضيت ليلتي الأولى محاولاً إعطاء جسدي قدرًا بسيطًا من الراحة حتى يستطيع مساندتي في احتمال مشاق يوم آخر، بالطبع دون أي جدوى، حتى اضطررت للجوء إلى البلاط والاحتماء ببرودته من وهج العنبر.

 

“أحاول جاهدًا أن أمحي كل ذكرياتي البائسة، غير أن ذلك اليوم وتلك الليلة لا أعتقد أنهما سيغادران ذاكرتي طالما حييت”.

 

أبدأ أول أيام مركز التدريب بجسد ممزق وصداع مزمن وأعين حمراء وأفرول يحتمل ثلاثة أشخاص من نفس حجمي وبيادة مكونة من “فردتين شمال” أعطاها لي صول المهمات الذي أخبرته أن البيادة “فردتين شمال يافندم” فاستنبط بدهاء أنه حتمًا هناك أحد العساكر قد تسلم بيادة تتكون من “فردتين يمين”. عليّ إذن البحث عن هذا العسكري من بين آلاف العساكر وإجراء مقايضة متكافئة معه. أخيرًا وجدته بعد يومين من السير بقدمين شمال ولكن بيادته كانت مقاس 41 بينما بيادتي 43. لا يهم، فمازال يملؤني ذلك الحماس المشتعل لتنفيذ ما عاهدت نفسي عليه تجاه الوطن وتجاه ثورته العظيمة لن يخمده حدوث خلل طفيف في هوية قدمي. كنت أردد تحية العلم لأول مرة في حياتي بفخر وشموخ لاعب أولمبياد قد توّج لتوه بالميدالية الذهبية.

 

خلال الأسبوع الأول شاهدت شعل الحياة تنطفئ يومًا بعد يوم في أعين الجميع تحت وطأة شعلة الشمس الحارقة فوق رؤوسنا طوال اليوم. لم نكن نعلم ماهي الفائدة المرجوة من إلقائنا في الشمس لساعات وساعات دون فعل أي شيء قد يكون له علاقة بالتدريب. استطاعت أشعة الشمس وصوت الصول عصام المبحوح وتسلطه المستمر والمعاملة غير الآدمية والجلوس لساعات على الأسفلت الساخن في إخماد وهج الوطنية المشتعل بداخلي شيئًا فشيئًا. علمت أن ما أفعله لم يكن ما جئت لتقديمه.

 

كانت جميع الأيام متشابهة. يبدأ اليوم بطابور الصباح والنظافة وتفتيش الصول عصام على الذقن المترتب عليه إرسال حفنة من العساكر إلى معتقل التعذيب المسمى بالميس “مكان الأكل” على سبيل “التكدير” ليواجهوا يومًا من أسوأ أيام حياتهم من الغسيل والعمل الشاق والإهانة المستمرة حتى ميعاد النوم. أما الباقون فيجلسون على أرض الطابور الأسمنتية المشتعلة بالساعات والتعرض لأشعة الشمس التي تعمل على إعطاء وجوههم وأيديهم لونًا جديدًا داكنًا.

 

لا يمر أكثر من ساعة حتى تفقد أجسامنا ما بها من سوائل فيأتي ملائكة الكانتين بالأجنحة البيضاء وزجاجات المياه المعدنية وكانزات الحاجة الساقعة لإنقاذ أرواحنا البائسة مقابل بضعة جنيهات. ينهون مهمتهم في هدوء ثم يختفون من أمامنا في مشهد ملحمي تاركين لنا رسالتهم المعهودة “لا تقلق، سنعود مرة أخرى بعد ساعة.. فقط استرخ ودع الشمس تقوم بعملها”. فالكثير من الشمس يعني الكثير من إيرادات الكانتين. بالطبع أحمد عرابي لم يكن يعلم شيئًا عن ملائكة الكانتين عندما قال جملته الخالدة “لقد خلقنا الله أحرارًا، ولم يخلقنا تراثًا أو عقارًا؛ فوالله الذي لا إله إلا هو، لا نُورَّث، ولا نُستعبَد بعد اليوم”.

 

بعدها بعدة ساعات نقوم بشراء وجبة غداء من الكانتين تجنبًا لأكل الميس المكون من عناصر غذائية قد أشرفت على سلامتها ونظافتها هيئة الصراصير العليا القاطنة بالمخازن. عندما انتهى مركز التدريب كنت قد أنفقت ما يقارب الألف جنيه على الماء والطعام والسجائر خلال ثلاثة أسابيع فقط. كان هذا كل ما أمتلكه في الحياة.

 

كنت لا أملك سوى بضعة جنيهات حينما علمنا أنه سيتم ترحيلنا غدًا إلى وحدتنا الأساسية. لكن هذا لا يهم، فقائد المركز قد أكد لنا أنه بمجرد وصولنا إلى الوحدة الأساسية “هنحط المخلة وناخد تصريح الإجازة عدل”. الآن أرى تلك الأعين المليئة بالتعب والإحباط منذ ثلاثة أسابيع تشع فرحًا وبهجة وأمل إثر سماع هذا الخبر. فهم يؤمنون تمامًا أنهم ذاهبون إلى مكان أفضل من هذا غير آبهين لجملة الصول عصام التي يكررها كثيرًا “بكرة تقولوا ولا يوم من أيامك يا صول عصام”.

 

“الإنسان دائمًا يعتقد أنه يسير بالاتجاه الأفضل، فالوضع الحالي دائمًا سيء ولا بد من وجود أمل يلوح في الأفق يُبقِي على استمراره في السير تجاه المجهول”.

يتبع…

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد