كانت لملوك الفرس مواصفاتٌ في النساء مكتوبةٌ عندهم، فكانوا يبعثون في طلبِ من تكون على هذه الصفة من النساء، فتُحمل إلى الملك، غير أنهم لم يكونوا يطلبونها في أرض العرب، ولا يظنونها عندهم، فدخل رجل على كسرى يقال له: عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ العِبَادِيُّ التَّمِيمِيُّ – وكان النعمان بن المنذر قد قتل أباه – فقال:

«عند عبدك النعمان من بناته وأخواته وبنات عمه أكثر من 20 امرأة على هذه الصفة». فكتبَ كسرى إلى النعمان يقول:

«إن الملكَ احتاج نساءً لنفسه ولولده ولأهل بيته، وأراد كرامتَك بصِهْرِه فابعثْ إليه» فقال النعمان: أما في مَهَا السواد وعِين فارس ما يبلغُ به كسرى حاجتَه؟ ثم كتب إلى كسرى يقول: إن الذي طلب الملك ليس عندي.

سكت كسرى أشهرًا على ذلك، وجعل النعمانُ يستعدُّ ويتوقع، حتى أتاه كتابُ كسرى: أنْ أقبلْ فإن للملك حاجةً إليك. فانطلق حين أتاه الكتابُ فحمل سلاحَه وما قويَ عليه، ثم لحق بجَبَلَي طيء «وهي قبيلة قحطانية من سبأ» وأراد أن يُدخلوه الجبلين ويمنعوه، وكان متزوجًا منهم، فأبوا عليه خوفًا من كسرى، وقالوا له: لولا صهرك لقاتلناك، فإنه لا حاجة بنا إلى معاداة كسرى، ولا طاقة لنا به، فأقبل يطوف على قبائل العرب ليس أحدٌ منهم يَقبله، حتى نزل على هانئ بن مسعود الشيباني «وبنو شيبان من بكر بن وائل وينتهي نسبهم إلى ربيعة بن نزار بن مَعَدِّ بن عدنان» فاستجارَ به فأجارَهُ. ثم قال له:

«قد لزَمني ذِمامُك، وأنا مانِعُكَ مما أمنعُ نفسي وأهلي وولدي منه، ما بقيَ من عشيرتي رجل، وإن ذلك غيرُ نافعك، لأنه مهلكي ومُهلكُـكَ، وعندي رأيٌ لك، لستُ أُشيرُ به عليك لأدفعك عما تريده من مجاورتي، ولكنه الصواب.

قال النعمان: هاتِهِ.

فقال: إن كلَّ أمرٍ يَجمُل بالرجل أن يكونَ عليه إلا أن يكونَ بعد المُلك سُــوقةً (من العوام) والموتُ نازلٌ بكل أحدٍ ولإن تموت كريمًا خيرٌ من أن تتجرعَ الذُّلَّ، أو تبقى سُــوقة بعد المُلك، هذا إن بقيتَ، فامضِ إلى صاحبك (كسرى) واحملْ إليه هدايا ومالًا، وألقِ بنفسك بين يديه، فإما أن صفحَ عنك، فعدَّتَ ملكًا عزيزا، وإما أن أصابك الموثُ، خيرٌ من أن يتلعبَ بك صعاليكُ العرب، ويتَخطَّفُوك ذئابُها، وتأكل مالك، وتعيش فقيرا مجاورا، أو تُقتل مقهورا.

فقال: كيف بحُرَمي؟ (نسائي)

قال: هُـنَّ في ذمتي، لا يُخلص
إليهن حتى يُخلصَ إلى بناتي.

فقال: هذا وأبيك الرأي الصحيح،
ولن أجاوزه.

ثم اختار النعمان خيلًا وحُللا من عَصبِ اليمن وجوهرًا ووجه به إلى كسرى وكتب إليه يعتذر ويُعلمه أنه صائرٌ إليه، ثم استَودع هانئ بن مسعود الشيباني أهله وماله وسلاحه ومضى حتى وصل المدائن.

فلقيه زيدُ بن عدي على القنطرة فقال للنعمان: انجُ نُعيم إن استطعتَ النجاءَ. فقال: أفعلتَها يا زيد؟ أما والله لإن عِشتُ لك لأقتلنك قِتلةً لم يُقتلْها عربيٌ قط. فقال زيد: امضِ لشأنك نُعيم، فقد أخَّيتُ لك أَخِيةً لا يقطعها المُهر الأَرِن (جهزت لك قيدًا لا يقطعه المهر النشط).

فلما بلغ كسرى أن النعمانَ ببابه قيَّده وبعث به إلى سجنٍ له، فلم يَزلْ به حتى وقع الطاعونُ هناك فمات فيه.

ثم استعمل مكانه على الحيرة إياس بن قُبيصة الطائي، وبعث إليه أن يجمعَ ما خلفه النعمان ويرسله إليه، فأرسل إياسُ إلى هانئ بن مسعود الشيباني يأمره أن يرسلَ ما استودعه النعمان من الدروع وغيرها، وقال له:

لا تكلفني أن أبعث إليك وإلى قومك بالجنود تقتلُ المقاتلةَ وتَسبي الذريةَ. فبعث إليه هانئ يقول:

إن الذي بلغك باطل، وما عندي قليلٌ ولا كثير، وإن يكن الأمرُ كما قيل فأنا أحدُ رجلين:

إما رجلٌ استُودِع أمانةً فهو حقيقٌ أن يردَّها على من أودعه إياها، ولن يُسلِّم الحرُّ أمانةً.

أو رجلٌ مكذوبٌ عليه، فليس ينبغي أن تأخذَه بقولِ عدوٍ أو حاسدٍ، حينئذٍ غضِبَ كسرى واشتدَّ حنقُه على العرب وعزم على غزوهم.

أرسل كسرى إلى إياس بن قبيصة الطائي (عامله على الحيرة) واستشاره في الغارة على بَكر، (قبيلة هانئ بن مسعود الشيباني الذين حفظوا أولاد النعمان وماله) فقال إياس:

إن المَلك لا يصلح أن يعصيَه أحدٌ من رعيته، وإن تُطعني: لا تُعلم أحدًا لأي شيء عبرتَ وقطعتَ الفراتَ، فيروا أن شيئًا من العرب قد كَرَبَك، ولكن ترجع وتضرب عنهم، وتبعث عليهم العيون حتى ترى غِرة منهم، ثم ترسل حَلْبة من العجم (قسم من الجيش) فيها بعض القبائل التي تليهم، فيُوقعون بهم وقعةَ الدهر ويأتونك بطَلبتك.

قال كسرى: أنت رجلٌ من العرب، وبكرُ بن وائل أخوالُك، فأنت تتعصب لهم، ولا تألوهم نصحا، فقال إياسُ: رأيُّ الملك أفضل (يعني شدّ حيلك وحارب).

وكان عند كسرى النعمان بن زُرعة التغلبي – وهو يحب هلاك بكر – فقال: يا خيرَ الملوك أدلُّك على عدوٍ يَطلبهم وعلى غِرة بكر؟ قال: نعم.

قال: أمهلنا حتى نقيظ (يدخل الحَرُّ) فإنهم إن قاظوا تساقطوا على ماء يقال له ذو قار (بئر) تَساقُط الفَراش في النار، فأخذتَهم كيف شئتَ، وأنا عندك حتى أكفيكهم.

فوافقهم كسرى حتى قاظوا جاءتْ بكرُ بن وائل فنزلتْ ماءَ ذي قار، ولما بلغ كسرى نزولهم عقد:

1– للنعمان بن زرعة التغلبي على تغلب والنمر.

2 –ولخالد بن يزيد البهراني على قضاعة وإياد.

3 –ولإياس بن قبيصة الطائي على العرب كلها.

4 –وللهامرز (قائد فارسي) على ألف من الأساورة (الفرسان).

5 –ولخنَّابزين (قائد فارسي) على ألف من العساكر.

6 –وأرسل معهم كتيبتيه «الشهباء والدوسر»

وعهد كسرى إليهم إذا شارفوا أرض بكر بن وائل أن يبعثوا إليهم النعمان بن زُرعة التغلبي يخيرهم بين ثلاث:

إما أن يعطوا بأيديهم فيحكم الملك فيهم بما شاء، وإما أن يُعروا الديار (يرحلون)، وإما أن يأذنوا بحرب.

فلما بلغ الخبرُ بكرَ بن وائل سار هانئ بنُ مسعود الشيباني حتى انتهى إلى ذي قار فنزل به، وأقبلَ النعمانُ بن زُرعة (رسولُ كسرى) فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:

إنكم أخوالي وأحدُ طرَفَيَّ، وإنَّ الرائدَ لا يَكْذِبُ أهلَه، وقد أتاكم ما لا قِبلَ لكم به، من أحرار فارس وفرسان العرب والكتيبتين: الشهباء والدوسر، وإنْ في الشرِّة خيارا، ولأن يفتدي بعضُكم بعضا خيرٌ من أن تصطلموا، انظروا هذه الحَلقة فادفعوها (وديعة النعمان بن المنذر من نساء وأولاد وسلاح)، وادفعوا رهنًا من أبنائكم بما أحدث سفهاؤكم.

فقال القوم: ننظرُ في أمرنا. ثم بعثوا إلى من يليهم من بكر، وأخذوا يرتقبون من يأتي من قبائل بكر، كلما جاءت جماعةٌ قالوا: سيدُنا في هذه. حتى وصل حنظلةُ بن ثعلبة بن سيار العِجْلي (بنو عِجل من بطون بكر بن وائل) فقالوا:

يا أبا مَعْدَان قد طال انتظارُنا، وقد كرهنا أن نقطعَ أمرًا بدونك، وهذا ابنُ اختك (النعمان بن زُرعة، رسول كسرى) والرائدُ لا يَكْذب أهلَه، وهذا هانئ بن مسعود يَهِمُّ بركوب الفلاة (على وشك الرحيل) ويقول لنا: لا طاقةَ لكم بجموع الملك.

فقال حنظلة العِجلي: فما الذي أجمعَ عليه رأيكم واتفقَ عليه مَلَؤُكم؟

قالوا: اللخى أهونُ من الوهَى، (يعني إعطاء المال أهون من الهلاك والخراب) وإن في الشر خيارا، ولأن يفتدي بعضُنا بعضا خيرٌ من أن نصطلمَ جميعا.

فقال حنظلة: قبَّح اللهُ هذا رأيًا، لا تَجُرُّ أحرارُ فارسَ أرجلَها ببطحاء ذي قار وأنا أسمع هذا الصوت.

ثم أمرَ بقُبَّته فضُربتْ بوادي ذي قار، ثم نزل ونزل الناسُ فأطافوا به، ثم قال:

لا أرى غيرَ القتال، فإنا إن ركبنا الفلاة (انسحبنا إلى الصحراء) مُتْنا عَطشًا، وإن أعطينا بأيدينا (استسلمنا) تُقتل مُقاتلتنا، وتُسبى ذرارينا. ثم قال لهانئ بن مسعود: يا أبا أمامةَ إن ذمتَكُم ذمتُـنا عامةً، وإنه لن يُوصلَ إليك حتى تَفْنَى أرواحُنا، فاخْرِجْ هذه الحلقة (سلاح النعمان بن المنذر) ففرِّقْها بين قومِك، فإن تَظفر تُردُّ عليك، وإن تهلِك فأهونُ مفقود. فأمرَ بها هانئ فأُخْرِجتْ وفُرِّقتْ في القوم، ثم التفتَ حنظلةُ إلى النعمان بن زُرعة (رسول كسرى) وقال: لولا أنك رسولٌ لما أُبْتَ إلى قومك سالما.

فرجع إلى أصحابه فأخبرهم بما ردَّ عليه القوم، فباتوا ليلتهم مستعدين للقتال، وبَكرُ يتأهبون للحرب. باتَ الفُرسُ مستعدين للقتال، وباتتْ بَكرُ بن وائل يتأهبون للحرب، فلما أصبحوا أقبلتِ الأعاجمُ نحوهم ومعهم الجنود والأفيال عليها الأساورة (الفرسان)، وكان ربيعة بن غزالة السَّكوني نازلًا في بني شيبان (السَّكون فخذ من قبيلة كندة اليمانية ينتهي نسبهم إلى يعرب بن قحطان) فقال:

يا بني شيبان أما إني لو كنتُ منكم لأشرتُ عليكم برأيٍ مثل عروة العِلْم (رأي سديد) فقالوا: أنت والله من أوسطِنا فأشرْ علينا. فقال: لا تستهدفوا لهذه الأعاجم فتُهلككم بنُشَّابها (رماحها)، ولكن تكردسوا كراديس (تجمعوا كتل متلاحمة) فإذا أقبلوا على كردوس شــدَّ الآخرُ. فقالوا: لقد رأيتَ رأيًا.

ولما تقارب الزحفان قام حنظلةُ بن ثعلبة العِجلي فقال: إن النُّشاب الذي مع الأعاجم يُفرقكم، فإذا أرسلوه لم يخطئكم، فعاجِلوهم اللقاءَ وابدؤوهم بالشّدة، ثم قام إلى وَضِين راحلةِ امرأته فقطعه فسقطتْ على الأرض، (الوضين حزام عريض من سيور يُشدُّ
به الرَّحْلُ على البعير) ثم قال: ليقاتلْ كلُّ رجلٍ عن حليلته. فسمي من يومئذٍ مُقطّع الوضين، ثم ضربَ قُبةً على نفسه ببطحاء ذي قار وآلى ألا يفـرَّ حتى تفرَّ القبةُ (حلف ألا يهرب حتى تهربَ الخيمة)، وقطع سبعمائةُ رجلٍ من شيبان أيدي أَقْبيَتهم من مناكبها لتخفَّ أيديهم لضرب السيوف، وقام هانئُ بن مسعود الشيباني فقال:

يا قوم مَهلِك مقدور خيرٌ من نجاءٍ معرور (موت مكتوب أفضل من النجاة مع العار) وإنّ الحذر لا يدفع القدَر، وإن الصبرَ من أسباب الظَفر، المنية ولا الدنية، واستقبال الموت خير من استدباره، والطعن في الثَّغْر أكرم من الطعن في الدُّبر، يا قوم جــدُّوا فما من الموت بُــد، فتحٌ لو كان له رجال، اسمعُ صوتًا ولا أرى قومًا، ويا آل بكر شــدُّوا واستعدوا، وإلا تشدوا تُردُّوا.

وقف الجيشان متقابلين، فكانت بنو عِجل في الميمنة إزاء قائد الفُرس «خَنَّابزين» وعليهم حنظلة بن ثعلبة العِجلي. وبنو شيبان في الميسرة إزاء قائد الفرس «الهارمز» وعليهم بكر بن يزيد الشيباني. وأفناء بكر (أخلاطهم) في القلب وعليهم هانئ بن مسعود الشيباني، فخرج أُسوار من الأعاجم (فارس) في أُذنيه دُرتان من كتيبة الهارمز يتحدى الناسَ للبِراز، فنادى في بني شيبان فلم يَبرز إليه أحد (وهذا يدلك على عِظم الموقف وشدة الكرب) حتى إذا دنا من بني يشكر (من بطون بكر بن وائل) خرج إليه يزيد بن حارثة اليشكري فشدَّ عليه بالرمح فطعنه ودقَّ صُلبَه، وأخذ حِليتَه وسلاحه.

وهنا خرج «الهارمز» بنفسه يدعو إلى البِراز، فنهض له الحارث بن شريك الشيباني فقتله، عندئذٍ أرسلت قبيلةُ إياد المُضرية (وكانت في صفوف الفرس) إلى بكر بن وائل ســـرًا تقول: أيُّ الأمرين أعجبُ إليكم؛ أن نطير تحت ليلتنا فنذهب (ننسحب ليلا) أو نقيم ونَفِــرُّ حين تلاقون القوم؟ قالوا: بل تُقيمون فإذا التقى الناسُ انهزمتُم بهم.

وقال يزيد بن حِمار السَّكوني – وكان حليفًا لشيبان – أطيعوني واكمنوا لهم كمينًا، ففعلوا وجعلوه رأسَهم، في مكان يقال له الخَبِئ، واجتلدوا وصبروا، وحملت ميسرةُ بكر على الأعاجم وعليها حنظلة بن ثعلبة العِجلي، وحملت ميمنة بكر على الفُرس وعليها يزيد بن مسهر الشيباني، وخرج عليهم الكمينُ من الخَبِئ وعليهم يزيد بن حِمار السكوني، فشــدُّوا على قلب الجيش، وولَّتْ إيادُ منهزمةً كما وعدتهم، وانهزمتِ الفرسُ وتبعتهم بكرُ يقتلونهم بقيةَ يومهم وليلتهم حتى أصبحوا من الغــدّ، وقد شارفوا السواد (أرض العجم) ودخلوه في طلب القوم، وأُســـرَ النعمان بن زرعة التغلبي (رسول كسرى) أسره
أســـودُ بن بجير العِجلي، ثم جَـزَّ ناصيتَه وخلّى سبيله، ونجا إياسُ بن قبيصة الطائي (عامل كسرى على الحيرة) فــرَّ هاربا على فرسه الحَمامة، وذهبت بكر بن وائل وأحلافُها بعـزِّ الدهر وفخره، حتى قال الأخطل التغلبي في العصر الأموي:

ما زالَ فينا رِباطُ الخَيلِ مُعلِمَةً ** وَفي كُلَيبٍ رِباطُ الذُلِّ وَالعارِ

يقولُ فيها:
هَلّا كَفَيتُم مَعَدّاً يَومَ مُضلِعَةٍ ** كَما كَفَينا مَعَدّاً يَومَ ذي قارِ
جاءَت كَتائِبُ كِسرى وَهيَ مُغضَبَةٌ ** فَاِستَأصَلوها وَأَردَوا كُلَّ جَبّارِ

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد