أحيانًا أجدني أميل إلى بداية المقال بـ«مما لا شك فيه» لا أعرف نوعية اللذة التي تكمن في تلك البداية ولكن ربما أحببتها، لكن بعد قراءة لبعض من المقالات صادفتني مقالة تصف حالي هذا، فأيقنت حينها أني مصاب بمرض «الإيحاء الاجتماعي».

مرض الإيحاء الاجتماعي: هو أن ترتكب أفعالًا لا معنى لها ربما، ولكن تقوم بفعلها من منطلق العادات والتقاليد وأوامر من هم أكبر منا سنًا، المرض يصيب كل من لا يتفكر في ما يطلب منه، ومن هنا جاءت فكرة العادات والتقاليد.

مثال: بعد قراءة المقال الذي قرأته بمحض الصدفة، ذكر الكاتب قصة لشاب وفتاة في بداية زواجهما قائلًا:

أحضر الزوج السمك ذات يوم للمنزل فقد اشتهته نفسه، فقامت الزوجة بطهو السمك دون الرأس، وتكررت تلك العملية كلما أحضر الزوج السمك، لما بلغ الأمر ذروة التضجر مما يحدث، دون معرفة السبب في قطع رأس السمك، وضاق صدره رحبًا بحصار فضوله في معرفة السبب في ذلك، سأل زوجته لماذا تقومين بقطع رأس السمك في كل مره أحضرته فيها؟ الزوجة لم تعرف كيف تجيب إلا أنها عندما كانت في زيارة لأمها، أخبرتها بما حدث فقالت كنت أقطع رأس السمك عند طهيه مثلك، فسألني زوجي ما السبب في ذلك فلم أعرف كيف أجيبه.

الأم كانت أيضًا تفعل ذلك لكن دون أن يسألها زوجها ما السبب، فالأم ورثت تلك العادة من أمها، فذهبت أم الزوجة إلى أمها تسألها عن السبب في ذلك الفعل، فكانت إجابة الجدة أنها كانت تملك «طاسة صغيرة» فكانت تقطع رأس السمك لتحدث حالة من التناسب بين السمك و«الطاسة».

عجز الجدة عن شراء «طاسة كبيرة» خلق عادة، لا حرج على الجدة في ذلك، ولكن الحرج على الأم والزوجة فهن من اقتبسن تلك العادة، وهن من جعلها عادة دون معرفة السبب في ذلك.

هن سقطن في قبضة مرض الإيحاء الاجتماعي دون مبرر، ولكن كما ذكرت سالفًا السقوط في ذلك المرض هو نتيجة عدم خلق من التساؤل قيمة تندرج تحته المعرفة.

إن الولوج في قوقعة الإيحاء الاجتماعي أصبح سهلًا يسيرًا الكل يقع في حفرته، والكل يصاب بسهمه بعلم كان أو بدون، لو أسقطنا ذلك المرض على حياتنا اليومية ربما نجد أنفسنا نقوم بأعمال لا سبب فيها، قياسًا على ذلك:

لماذا نشرب الشاي في الغالب ثلاث مرات يوميًا بحد أدنى؟ في الصباح وفي الظهيرة وفي المساء؟ لماذا يقيم الصعيد العزاء ثلاثة أيام؟ في المقابل لماذا العزاء في وجه بحري يكون يومًا واحدًا؟

نقع تحت تأثير الإيحاء الاجتماعي في أغلب أوقاتنا، وكأن من الصعب أن تمر الحياة دون تلك الإيحاءات، بل ربما أصبحت من حتميات الحياة، غالبًا نقع تحت تأثير الإعلانات الترويجية لبعض من السلع التي نحن في غنى عنها ولكن رغم هذا نبادر في شرائها، كذلك ولج الإيحاء الاجتماعي حياتنا في الحكم على الأشخاص، فما تلبث أن ترى فلانًا يرتدي ملابس معينة فتقوم بقذفه بالسب واللعن، لأنها لا تتوافق مع عاداتك وتقاليدك التي تربيت وترعرعت عليها.

ربما نرى فتاة ترتدي ملابس غير محتشمة فنسبها ونرميها ربما بما ليس فيها، ولكن مرضنا بالإيحاء هو من صور لنا هذه التصورات، كذلك ربما نمدح فلانة بالوقار والاحترام لأنها ترتدي ملابس محتشمة، وهي ليست كذلك فربما الهدف من ارتداء تلك الملابس التخفي من جريمة ما، لا أعني أن كل محتشمة وقورة بالطبع أو العكس فالأمر نسبي وإن كان ظاهره الحتم.

تأثرنا كثيرًا بالإيحاء للدرجة التي جعلته يخلق من العادات بدعًا، كذلك في الإيحاء الاجتماعي يتجرد الإنسان من أهم ما يميزه عن غيره من الكائنات ألا وهو «العقل» فلا يتسطيع الإنسان أن يستخدم حسه المنطقي في معرفة أسباب المسببات وهو يقتنع فقط بنتيجة التسبيب، البعد عن الثقافة والفكر وفن التساؤل من أهم أسباب ظهور ذلك المرض وانتشاره، كذلك الإيمان به والاعتقاد أنه أصح الصحيح بعد المنزلات الربانية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد