بجيشه البالغ قوامه عشرة آلاف جندي، يدخل مكة من جهاتها الأربع في آنٍ واحد، وتعجز قواتها عن التجمع، وتضعف قدرتها على المقاومة و الصمود، أليست هذه الفرصة المناسبة للانتقام ممن تربصوا به وأذاقوه من العذاب ألوانًا، ومن الاضطهاد أشكالًا؟ أليست هذه الفرصة المناسبة؛ ليثبت لهم أن الأيام دُوَل، وأن لا شيء يبقى على حاله؟ أليست هذه الفرصة المناسبة لتوجيه ضربةٍ قاضيةٍ لقلب جزيرة العرب، ومركزها الروحي، والسياسي، وبالتالي إرسال رسالة رادعة لبقية العرب؟

كلا، لم يحدث أي شيء من ذلك، بل تصرف بطريقة مخالفة للمألوف لم ينتهجها فاتح من قبله، أخبرهم: «أن من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد؛ فهو آمن» نعم بكل هذه البساطة، ربما هؤلاء عامة الناس؛ إذن ماذا عن سادة القوم الذين تفننوا في سوء معاملته، وسلطوا عليه عامة الناس، أليست هذه أنسب فرصة لرد الصاع صاعين؟ كلا لم ينتقم؛ بل فعل شيئًا غايةً في الغرابة على مر تاريخ البشرية، شيئًا في قمة الإنسانية، وهو إكرامهم وجعلهم يحتفظون بمكانتهم؛ فأخبرهم: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن»، لكن لماذا ذكر دار أبي سفيان؟ هل تتسع لكل هؤلاء الناس؟

يقول«آدم سميث» في كتابه «نظرية المشاعر الأخلاقية»: «الشخص العادي نادرًا ما يتم الالتفات إليه، وإذا كان وسط جمع من الناس سيُعامَل وكأنه غير موجود، أما الرجل ذو المكانة الاستثنائية؛ فالجميع يتمنى رؤيته، وأفعاله موضع اهتمام من الناس و نادرًا ما تصدر منه لفظة أو حتى إشارة وتُهمَل من الآخرين».

هنالك ميزات عدة توفرها لنا المكانة؛ أن نلفت أنطار الآخرين، أن يتلهف الجميع لرؤيتنا، أن يتم احترامنا و تقديرنا، أن تكون أفعالنا موضع اهتمام الآخرين، أن تكون آراؤنا مسموعة، وطلباتنا مُلباة وعيوبنا وأخطاؤنا يتم التساهل معها وتجاوزها، وإذا افتقدنا كل هذه الميزات؛ أليست هذه ضربةٌ موجعةٌ لنا؟

في فيلم «The Shawshank Redemption»، الرجل العجوز «بروكس» بعد أن تم الإفراج عنه لم يستطع أن يعيش حياته بصورةٍ عاديةٍ، فقد كان أمين المكتبة في السجن، وكان يرى أنه مُقدّر بين السجناء، ويحظَى باحترامهم، أما بعد خروجه من السجن؛ فأصبح نكرةً لا قيمة له؛ يعمل في متجر في تعبئة المواد الغذائية، يضع مشتريات الزبائن في أكياس، فبعد أن فقد مكانته في السجن فضَّل الانتحار على أن يعيش بهذه الطريقة.

كذلك في فيلم «The Maze Runner»، مجموعة من المراهقين يتم احتجازهم في متاهةٍ، وظلوا محتجزين فيها لمدة ثلاثة أعوام إلى أن وجدوا بصعوبةٍ بالغةٍ طريقةً للخروج من المتاهة، لكن صديقهم «غالي» يمسك مسدسًا، ويمنعهم من الخروج، فقد كان قائد المجموعة، وله كل المزايا المتعلقة بالسلطة من اتخاذ القرارات، وإصدار التعليمات وغيرها؛ لذلك فضّل أن يظلوا محتجزين في المتاهة على أن يخرجوا ويفقد سلطته عليهم ويصبح شخصًا عاديًّّا.

أي شيء أثقل على أنفسنا من سحب بساط السلطة من تحت أرجلنا؟ من أن يتم تجريدنا من كل التقدير، والاستحسان الذي كنا نحظى به؟ أي شيء أقسى على قلوبنا من أن نصبح أشخاصًا عاديين بعد أن كان يتلهف الجميع لرؤيتنا؟ أي شيء أصعب علينا من أن نفقد سلطتنا على الآخرين؟ من أن تصبح قرارتنا غير مسموعة، وكلامنا ليس له وزن؟

كان أبو سفيان -رضي الله عنه- سيدًا في قومه، وأن تذهب مكانته في ثوانٍ، لهو شيء باعث على الأسف، والحسرة، وربما علِق في قلبه الكثير والكثير،؛ لذلك أتت: «من دخل دار أبي سفيان؛ فهو آمن» بمثابة طمأنينة من الرسول-صلى الله عليه وسلم- لأبي سفيان، ورسالة إلى قومه بأنه ما زال محتفظًا بمكانته.

«من دخل دار أبي سفيان؛ فهو آمن» كانت بمثابة تعاطف من النبي -صلى الله عليه وسلم- وتفهُّم للعاطفة التي يمر بها أبو سفيان، كانت بمثابة تخفيف من حِدة قلقه على مكانته لدى قومه ، وهو تصرف في قمة الإنسانية من نبينا-صلى الله عليه وسلم-، يتعاطف ويتفهم مشاعر عدوه الذي كان يكِن له كثيرًا من العِداء.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

آمن, دار, سفيان

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد