عندما تم حرق كتبه في ألمانيا النازية قال فرويد «يا للتقدم الباهر الذي أحرزناه ففي العصور الوسطى كان يمكن أن يحرقوني أنا أيضًا ولكنهم اليوم اكتفوا بحرق كتبي فقط».

المعاداة الوحشية للكتب كانت ولا تزال مستمرة إلى الآن، سواء بمنع تداولها ونشرها وإما بحرقها عن بكرة أبيها مع مؤلفها، كان هذا قديمًا. أما حديثًا فقد طرأ بعض التطور حيث يتم منع الكتاب دون المساس بشخص الكاتب. ظهرت تلك المحاولات لدحض ثقافة أخرى جديدة أو لمجرد الاختلاف عن ما هو سائد، تحت الكثير من الادعاءات المبطنة والتبريرات الواهية مثل البذاءة والفحش أو لتعلقها بأعمال السحر والشعوذة وغيرها.

منذ ظهور الكتب رافق ظهورها محاولات لإخفائها، ورغم ما كانت تحققه تلك الأفعال من نتائج مادية ملموسة إلا أنها مؤقتة لم تفلح في القضاء على رغبة الشعوب في التعلم والثقافة؛ لذا تم اللجوء إلى السماح لأصناف معينة من الكتب بالظهور تلك التي تشبه تجاعيد وجه الحاكم شكلًا ومضمونًا.

تبدأ رحلتنا من بغداد بقيام المغول بتدمير مكتبة بغداد التي كانت تحتوي على كم هائل من المجلدات في كل نواحي العلوم والمعرفة، وكما أورد بعض المؤرخين أنه تم إلقاء الكتب في نهر دجلة حتى تحولت المياه إلى اللون الأسود من شدة الحبر. ويقال إنه أصبح من الممكن العبور من إحدى ضفتي النهر إلى الأخرى مشيًا لكثرة ما رمي فيه من كتب. على الرغم من ذلك اختلف بعض المؤرخين حيث يرى بعضهم أن الكتب لم يمسسها سوء وتم نقلها إلى مكان آخر.

في العصور الوسطى كان غالبًا ما يتم الاستعانة برجال الدين خوفًا على السلطة لإرهاب الشعوب من الكتب وما تحتويه من هرطقة؛ حتى يستفيد منها صفوة الشعب فقط وإما يتم حرقها مع مؤلفها أمام الناس حتى يكون عبرة لأولي الألباب.

في التاريخ الحديث وتحديدًا في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين لمع نجم أنتوني كومستوك الذي أنشأ مؤسسة أطلق عليها جمعية مكافحة الرذيلة.

نقلًا عن ألبرتو مانغويل في كتاب تاريخ القراءة يقول كومستوك «خلال 41 عامًا في الجمعية تمكنت من إدانة أعداد كبيرة من الأشخاص يملؤون 61 عربة قطار، 60 عربة منهم مليئة بستين شخصًا، وأبدت 160 طنًا من الأدب الرخيص غير الأخلاقي. وأورد ألبرت مانغويل في نفس الكتاب أيضًا «من ضحاياه كتب بلزاك، ورابيليه، وولت ويتمان، وجورج برنارد شو، وليو تولستوي، أما الكتاب الذي كان يراه كومتسوك وحده جديرًا بالقراءة حسب اعترافه فهو الإنجيل، كما يقال إنه قد تسبب بانتحار اثني عشر كاتبًا في السجن.

لننتقل إلى ألمانيا النازية في حوالي عام 1933 حيث تم حرق كثير من الكتب من قبل الطلاب في مختلف أنحاء ألمانيا، بحجة أن الكتب التي يتم حرقها تخالف الأيديولوجيات والأفكار النازية، وذلك بسبب رفضهم لكل ما هو غير ألماني ولا يمت للروح الألمانية بصلة. ولم يكن الكتّاب الألمان هم فقط ضحايا هولوكست الكتب بل العديد من كتّاب العالم.

لضمان السيطرة واستمرار الحكم كان لابد من المحافظة على جاهلية عامة الشعب وتلقينه ما تسمح الرقابة به فما هو غير نازي لا يقرأ بألمانيا، وما يحرك الشعور الديني والأخلاقي ممنوعة قراءته في دولة علمانية وإن كان ليس ظاهريًا، وكذلك كان الأمر في الدول الاشتراكية. أما في الدول العربية فكان الأمر مختلفًا قليلًا إن حالفني الحظ ربما أعرضه بمقال قادم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد