ومن أخلاق المصريين القدماء التي التزموا بها وحثوا غيرهم على التحلي بها؛ ذلك الخلق الفاضل؛ الذي ما انتشر في مجتمع إلا وغشيته المحبة وسادته الطمأنينة، ذلك الخلق الذي بيّن لنا ديننا الحنيف بأن الله يحبه، فقد روي مسلم في صحيحه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لأشج عبدالقيس المنذر: إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ، وَالأَنَاةُ، فخُلق الحِلم، وتجنب الغضب والقسوة في التعامل مع الآخرين؛ صفات حرص المصري القديم على الالتزام بها، والدعوة إلى التحلي بها.

ويجدر بنا هنا أن نذكر حقيقة الغضب من خلال تلك الصورة الأدبية الرائعة التي يُتحفنا بها الحكيم آمون أم أوبي عندما يشبه لنا الرجل الحليم بالشجرة المثمرة؛ والرجل الثائر بالشجرة اليابسة؛ فيقول: ولكى يكون المرء كاملًا؛ عليه أن يظهر دائمًا باحتشام ورقة وتواضع، فالشخص الثائر كالشجرة التى تنتهى بأن تصير وقودًا، أما الوديع فهو كالشجرة التى تحمل ثمارًا فى الحديقة، فلا تسعَ وراء صحبة الثائر ولا تقترب منه لمبادلته الحديث.

كما ينصح أمون أم أوبى ابنه أيضًا بأن يكون سلوكه طيب أثناء حدوث مشاجرة، فيقول: في كل مشاجرة ومشادة مع أعدائك لا تضع ثقتك فى نفسك، بل اترك نفسك بين ذراعى الرب فصمتك سيسقط أعدائك.

بل ينصحه بأن يتصرف بحلم – ربما نراه غير مقبول – حتى مع رئيسه الغاضب؛ فيقول: عليك أن تنحنى أمام الرئيس السريع الغضب حتى ولو أهانك فإنه سيصلح الأمر في اليوم التالي[1].

كما نرى الملك خيتي – أحد ملوك الأسرة العاشرة – ينصح ابنه مري كا رع، بأن يتحدث في لطف؛ لأن الكلام أقوى من العراك، كما يًحثه على التعامل بهدوء وتأني مع الرعية وأن لا يقسوا عليهم، ويحذره من معاقبتهم بقسوة، فيقول: لا تقتل فإن ذلك لن يكون ذا فائدة لك بل عاقب بالضرب والحبس فإن ذلك يُقيم دعائم هذه البلاد، إلا من يثور عليك وتتضح لك مقاصده فإن الرب يعلم خائنة القلب، والرب هو الذى يعاقب أخطاءه بدمه، لا تقتل رجلًا إذا كنت تعرف مزاياه[2].

في حين نرى الحكيم بتاح حتب؛ يدعو ابنه أيضًا إلى التأني والهدوء، ويحذره من اتباع الهوى؛ ويبين له عاقبة ذلك؛ فيقول: ينساق الفتى إلى الإثم والعقل ينهاه، فلا تفعل الإثم فالإثم عار، وانقذ نفسك من تأنيب الضمير كل نهار، ومن أطاع هواه انتهى إلى الثمن دون سواه.

كما يدعوه إلى البشاشة والسماحة وتجنب مواطن الغضب والشجار، فيقول: كن سمح الوجه ما دمت حيًا، فإن ما يخرج من الشونة لن يعود فيدخلها، واتقِ الشجار بين الناس.

كما يحذره من جحود القلب وقسوته، خاصة مع أهله وأقاربه؛ فيقول: لا تقس قلبك حين القسمة، ولا تبتغ ما لا يخصك، ولا توغر قلبك إزاء أقاربك، فإن التماس الوديع أجدى من تصرف العنيف، وإنه لتافه ذلك الذى يستأسد بين أهله وهو محروم من حصائد الحكمة، وإذا أحببت أن يجمُل سلوكك، وأن تبرىء نفسك من كل سوء، فاتق لحظة جحود القلب، فإنه داء وبيل مستعص، يعكر صفو الصديق الصدوق، ويُسيء الآباء والأمهات والأخوال، ويُطّلق زوجة الرجل، إنه مجمع كل الشرور، وعيبة كل ما يعاب، أما قاسى القلب فلا مثوى له[3].

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

[1] – أدولف إرمان، ديانة مصر القديمة، ترجمة: عبدالمنعم أبوبكر ومحمد أنور شكرى، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1997
[2] – كلير لالويت، الأدب المصرى القديم، ترجمه: ماهر جويحاتى، دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، القاهرة 1992
[3] – عبدالعزيز صالح، التربية والتعليم في مصر القديمة، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة 1966
عرض التعليقات
تحميل المزيد