ولا نزال نقتطف من أدبيات المصريين القدماء ما ترقى به روحنا وترتقي به أخلاقنا، حيث نعيش اليوم سويًا مع خُلقين فاضلين من أخلاق المصريين القدماء؛ التي ما زلنا في أمس الحاجة إلى التخلق بها في أيامنا هذه، رغم مرور آلاف السنين، وهما: الرفق، والأمانة، وهما من الأخلاق التي أوصانا بها ديننا الإسلامي الحنيف، كما أوصتنا بها الرسالات السماوية السمحة.

وها هو حكيمهم الشهيرآمون أم أوبي ينصح ابنه بالرفق عند جمع الضرائب؛ فيقول: لا تغش في جباية الضرائب، ولا تكن قاسيًا، وإذا ما اكتشفت مبلغًا كبيرًا متأخرًا عند أحد الفقراء، فقسمه إلى ثلاثة أجزاء، واحذف جزئين منهما، ولا تبق إلا جزءًا واحدًا.

كما يوصي الحكيم عنخ شاشنقي ابنه أيضًا بالرفق عند التعامل مع الأبناء، فيقول: لا تدع عمل الخادم لولدك إن استطعت أن تجعل له خادمًا يؤديه، وإياك أن تتسبب في أن يفقد ولدك استقراره، ولا تقل: يا ولد لمن نضج، ولا تتجاهل من بلغ أشده وكبر.

كما يوصيه بحسن التعامل مع الزملاء، وأن يكون رفيقًا بهم، فيقول: لا تتأثر ضد زميلك في المحاورة، وكن هادئًا، ودعه لنفسه حتى يفرغ ما في قرار جوفه.

ومن الرفق أيضًا ما يقوله الحكيم بتاح حتب حين يوصي ابنه بكيفية تكوين أسرة، فيقول: إذا نضجت وكونت دارًا، وأنجبت ولدًا من نعمة الرب، واستقام هذا الولد ونهج نهجك، ووعى تعاليمك، وصلحت أحواله في دارك، وحفظ ثروتك كما ينبغي، فالتمس له الخير كله، وتحرّ كل شأن فاضل من أجله، فإنه ولدك، وفلذة كبدك، فلا تصرف عنه نفسك، ولا تقل (يا) ولد لمن نضج، ولا تتجاهل من جانبك من كبر.

كما يوصيه بأن يُعامل كل الناس برفق، فيقول: لا تجعل الناس تخافك وعاملهم بالرفق واللين!

في حين نرى الملك الحكيم مري كا رع يوصي ابنه بحُسن التعامل مع الجيل الجديد ويوصيه بالشباب خيرًا، فيقول: ارفع من شأن الجيل الجديد، إن مجتمعك مليء بالشباب الناشىء الذين هم في سن العشرين، فضاعف هذا الجيل، وزد من عدد أتباعك منهم، وزودهم بالثروة والحقول والماشية.

ويفتخر أحد النبلاء – من عصر الأسرة الثانية عشر – المدعو أميني بحسن معاملته للناس والرفق بهم، فيقول: إني أعطيت الأرملة كما أعطيت المتزوجة، ولم أكن أفرق بين كبير وصغير وغني وفقير.

كما نرى أحد حكام الأقاليم يفتخر أيضًا بحسن تعامله مع رعيته والرفق بهم أثناء فترة القحط والمجاعة، فيقول: وعندما شحت أقوات البلاد أغدقت على بلدي أرادب وكيلان من الغلال، وسمحت لكل مواطن أن يأخذ نصيبه ونصيب زوجته، وأعطيت منها الأرملة وولدها، وعندما تعاقبت سنوات المجاعة؛ منحتُ الأرملة كما منحتُ ذات البعل، (أي: المتزوجة)، ولم أميز كبيرًا أو صغيرًا في ما فعلته.

ويقول أحد القدماء خلال الأسرة الثانية والعشرين، مبينًا حسن معاملته حتى لمن أساء اليه؛ فيقول: لقد خلقنى خنوم ممتازًا، إنه يوجه لساني نحو الخير، إنني لم أدنس فمي بإهانة من أهانني، إنني استجلبت المحبة لنفسي وصار أعدائي أعوانًا لي.

أما خلق الأمانة، فمنه ما نراه في وصايا بتاح حتب لابنه، حين يقول: إذا كنت شخصًا ممن يُوثق بهم، وأرسلك رجل عظيم إلى آخر، فاعمل بنصح في الأمر، وحينما يُرسلك فيجب عليك أن تبلغ الرسالة كما قالها، ولا تكونن كتومًا فيما يمكن أن يقال لك، واحذر النسيان.

في حين نرى الحكيم آمون أم أوبي يُحذر من أخذ الإنسان ما لا يحق له، بل يرسم لنا صورة تُجبر الشخص على الابتعاد عن أخذ ما لا يحق له؛ فيقول: إذا جاءك أحدٌ بثروة عن طريق اللصوص فإنها لا تبقى معك ليلة واحدة، وعند طلوع الصباح لن تكون في بيتك، وسترى فقط المكان الذي كانت فيه، وأما هي فلن تكون موجودة، لقد فتحت الأرض فاها وابتلعتها، إن العالم السفلي قد غمرها، إنها صنعت لنفسها حفرة ضخمة وانطمرت فيها، إنها صنعت لنفسها أجنحة وطارت إلى السماء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك