وبعد أن عشنا سويًا مع سلسلة «من أخلاق المصريين القدماء» لأربع عشرة حلقة؛ تحدثنا فيها عن بعض أخلاقهم التي التزموا بها، والتي حثوا غيرهم على التحلي بها عند التعامل مع الآخرين؛ يجدر بنا الآن أن نختم هذه السلسلة – بعد أن أطلنا عليكم – بخلقٍ هو غاية التزامه بتلك الأخلاق؛ خلق سميناه – إن جازت لنا هذا التسمية – «العمل للدار الآخرة»؛ فالمصري القديم آمن بعقيدة البعث والخلود، وعمل لآخرته أكثر مما عمل لدنياه، ولذا فقد اهتم بتشييد المعابد والمقابر، ولم يهتم بإقامة القصور والبيوت، وترك لنا على جدران مقابره سجلًا ضخمًا من الوصايا والاعترافات التي تبين لنا مدى انشغاله بالدار الآخرة والعمل لها.

فها هو الملك «خيتي» يقدم لابنه «مري كا رع» نصائح ثمينة؛ يدعوه فيها بأن يعمل لآخرته ولا يغتر بدنياه، فيقول: لا تجعل عقيدتك في طول الحياة الدنيا ولا تغتر بها؛ فإن وقت الحياة الدنيا قصير كساعة واحدة على الأرض، ولا يبقَ للإنسان في آخرته إلا عمله فهو كالكنز الثمين.

ويحذره من طول الأمل ونسيان الآخرة؛ فيقول: لا تثق بطول السنين، فإن الحياة كأنها ساعة، وإن الإنسان ليبقى بعد الموت وستكون أعماله إلى جانبه، وأما من يأتِ إلى قضاة الموتى مبرأً من كل ذنب فسيكن مثل الرب، ويسير حرًا طليقًا سيدًا في الدار الآخرة.

وقال أحد حكمائهم: ومن يك على وجه الأرض خيرًا يجد في العالم السفلي خيرًا، ومن يك شريرًا يلق شرًا.

أما الحكيم «آني» فيُذكر ابنه بالموت ووجوب الاستعداد له؛ فيقول: أقم لنفسك قبرًا يرقد فيه جسمانك، فذاك أمر هام، لأن رسول الموت سيأتيك، وإذا أتاك؛ فإنك لن تستطيع أن تقول له: أنا ما زلت صغيرًا، فإنك لا تدري متى تحين ساعة رحيلك عن هذه الدنيا، فالموت يأتي على حين غفلة، وهو يختطف الطفل الذى يرقد بين ذراعي أمه، كما يختطف الرجل الذي بلغ من العمر عتيًّا.

ويتخيل الحكيم «آني» ما سوف يقوله أمام رب العدالة في الدار الآخرة، فيقول: لقد أحسنت عملي في بلدي، ولم أسئ في حق الرب، وما صدر أمر مسيء إزائي من ملك زمانه.

وبشكل عام ترك لنا المصري القديم مآثر تبين لنا كيف كان تعلقه بالآخره، وكيف كان يُعد نفسه للحساب، وكيف انشغل دائمًا بأن يكون بريئًا أمام الأرباب في الآخرة، فقد جاء في «كتاب الموتى»، بعض تلك الاعترافات التي تخيل نفسه وهو يقولها أمام الرب «أوزوريس» في محكمة الدار الآخرة، ومنها: إني لم أقترف إثمًا ضد البشر؛ ولم أفعل شيئًا تمقته الأرباب، ولم أسعَ بأحدٍ عند رئيسه، ولم أجوع أحدًا، ولم أدع أحدًا يبكي، ولم أقتل ولم أدعُ إلى القتل، ولم أسبب لأحدٍ ألمًا، ولم أقلل الطعام في المعابد، ولم أسلب خبز الأرباب، ولم أسرق طعام الممجدين، ولم أفسق في المكان الطاهر لرب مدينتى، ولم أطفف مكيال الحَب، ولم أنقص مقياس ذراع، ولم أزيف فى مقياس الحقل، ولم أثقل فى مثاقيل الميزان، ولم أزور في لسان الميزان، ولم أسلب اللبن من فم الطفل، ولم أسرق الماشية من مرعاها، ولم أصطد طيور الأرباب، كما لم أصطد الأسماك من بحيراتها، ولم أمنع ماء الفيضان من وقته، ولم أسد على الماء الجاري، ولم أُدر ما للمعابد من قطعان، ولم أعترض الرب في شيء من إرادته.

ولم يتوقف الميت عند تلك الاعترافات، بل يُنكر أيضًا فعل أية خطايا أو ذنوب أخرى لم يقترفها، فيقول: إنى لم أسرق طعامًا، ولم أذبح الثيران المقدسة، ولم أسترق السمع، ولم أزنِ، ولم أصم أذني عن كلمات الحق، ولم أدع أحدًا يبكي، ولم آكل قلبي من الندم، ولم أسئ لأحد، ولم أتكلم كثيرًا، ولم أسئ إلى الملك، ولم يكن صوتي عاليًا، ولم أسئ إلى الرب.

وبعد اعترافاته تلك يخاطب أرباب الآخرة؛ قائلاً: ها أنذا آتي إليكم بغير إثم وبغير سوء، إنني أعيش على الحق وأتغذى على ما في قلبي من حق، لقد عملت ما يقول به الناس وما ترضى عنه الأرباب، لقد أرضيت الرب بما يجب، وأعطيت خبزًا للجائع، وماء للصادي، ولباسًا للعاري، وقاربًا لمن لا قارب له، لقد قدمت القربان للمعبودات والصدقات للممجدين.

ومن العجائب أن المصري القديم لم يكتف بالعمل للآخرة والحث عليها؛ بل ترك لنا شروطًا وواجبات يجب أن يلتزم بها الزائرون لتلك المقابر؛ ومنها ما وجد منقوشًا على جدران قبر يرجع إلى عصر الدولة القديمة يقول فيه: كل من يدخل هنا يجب أن يكون نقيًا، وعليه أن يتطهر كما يتطهر عند دخوله معبد الرب الكبير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد