ومن أخلاق المصريين القدماء التي اتصفوا بها وحثوا غيرهم على التمسك بها؛ خُلق الكرم والعطاء؛ فها هو الحكيم «بتاح حتب»؛ يحذر ابنه من البخل فيقول: إن البخل عيب قبيح وشهوة قبيحة، كما يدعوه إلى الكرم والعطاء، لأنه كما تدين تُدان؛ فيقول: كن كريمًا نحو من يثق فيك فمن يدري ربما يأتي الوقت الذي يساعدونك فيه.

في حين يوجه الحكيم «عنخ شاشنقي» نصائح غالية إلى ولده؛ يُحثه فيها على الكرم والعطاء وحب الناس ويحذره فيها من الاهتمام بنفسه على حساب أهله وشعبه؛ فيقول: لا تُتخم نفسك صغيرًا حتى لا تتراخى كبيرًا، ولا تُوقد نارًا لا تستطيع إخمادها، ومن حزن مع أهل بلده فرح معهم، ولا تجعل لنفسك صوتين، وقل الأمر الواقع لكل إنسان، واسمح لمن عمل ما كُلف به بأن يرفع صوته، وأعط الشغال رغيفًا تأخذ رغيفين من كتفيه، ولا تكره إنسانًا لمجرد رؤيته ما دمت لا تعرف حقيقة خُلقه، ولا تكره من يقول لك أنا أخوك، واعلم أن العزلة خير من أخ شرير.

وكذلك يحذر الحكيم «آني» من البخل والشره وحب النفس؛ فيقول: لا تكن شرهًا فى ملء بطنك، وإذا أردت أن يكون خُلقك محمودًا، وأن تحرر نفسك مما هو قبيح؛ فاحذر الشراهة، فإنها مرض مملوء بالداء، ولا تكونن شرهًا في القسمة، ولا تكونن ملحًا إلا في حقك، ولا تطمعن في مال أقاربك.

أما الملك «خيتي» أحد ملوك أهناسيا فيُحث ابنه «مري كا رع» أيضًا على العطاء وعدم الإمساك والتقتير وخاصة مع رعيته وكبار موظفيه؛ فيقول: ارفع من شأن مستشاريك وأغدق عليهم من الثروة ما يكفيهم، حتى يقوموا على تنفيذ قوانينك بالعدل، لأن الرجل الغني في بيته لا يميل مع الهوى ولا يتحيز، إذ يكون عنده من المال ما يغنيه، ولكن الرجل الفقير قد لا يتكلم حسب العدالة، لأن الرجل الذي يقول «ليت لي» لا يكون محايدًا بل ينحاز إلى الرجل الذي يعطيه الرشوة، وإن الرجل العظيم يُعد عظيمًا عندما يكون مستشاروه عظماء.

ونرى الحكيم «كاجمني» يحث أيضًا على الكرم والعطاء ويحذر من البخل والإمساك؛ ولكن في صورة أخرى تتمثل في ذلك العطاء المعنوي الذي يظهر على ملامح صاحبه؛ فيقول: إذا كان المرء غير مألوف العشرة، فما من قول يُفيد فيه، إنه يقطب وجهه أمام من يُحسنون إليه، وهو نكبة على أمه وأصدقائه، وكل الناس تقول عنه إن فمه لا يستطيع الكلام عندما يخاطبه أحد.

في حين نقرأ في رسائل الكاهن «حقا نخت» إلى ابنه الأكبر في طيبة، يوصيه فيها بأخيه الأصغر سنفرو، ويحثه على إعطائه ما يريد وأن يحقق له رغباته ولا يمنعه من شيء؛ قائلًا: إذا لم يكن لسنفرو ما يكفيه معك في الدار فلا تتوان عن إخباري، فقد بلغني أنه غير راض، اعتن به كثيرًا واكفل له مؤونته، وأبلغه سلامي ألف مرة، بل ألف ألف مرة، اعتن به وأرسله إلي بعد أن تحرث الأرض مباشرة، وقال له أيضًا: إذا كان سنفرو يريد أن يعتني بالماشية فدعه يفعل، فهو لا يحب أن يجري معك هنا وهناك في حرث الأرض، كما أنه لا يريد أن يأتي هنا، وعليك أن تمتعه بكل ما يحب.

أما الحكيم «آمون أم أوبي» فيحذر ابنه من الإمساك والتقتير، ويعتبر البخيل مغتصبًا للمال؛ فيقول: لا تكن بخيلًا لأن المال المغتصب ليس فيه متعة لك، وينصحه بالعمل حتى يكون قادرًا على العطاء ولا يطلب شيئًا من أحد؛ فيقول: ازرع الحقول حتى يمكنك أن تجد ما تحتاج إليه، وتجني خبزك من حرثك، وأن المكيال الذى يعطيه الرب خير لك من 5 آلاف تكسبها بالبغي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد