لفلسطين ارتباط عميق بوجدان الشعوب العربية الإسلامية فهي مهجة الروح وقبلة الثائرين والمناضلين وعلى ترابها اختلطت دماؤهم بنسمات وعبق الأنبياء والمرسلين، وفي سبيلها امتزجت الأماني والتطلعات حتى صارت أيقونة لوحدة المصير والتاريخ ورد الاعتبار لكرامة الذات والانعتاق من الاستعمار والاستغلال الذي طوق الأمة.

وعلى امتداد أجزاء هذه السلسلة سنستكشف سويًا صفحات من أسرار نكبة فلسطين متلمسين عبرها قصصًا وخبايا وحكايات، محاولين إعطاء قراءة جديدة للتاريخ وعلى أمل الاهتداء إلى الحقائق الدفينة وراء ركام الأحداث والوقائع.

أكذوبة الشعب الإسرائيلي

تشكل إسرائيل حالة مميزة في ظاهرة الاحتلال والاستعمار فجرائمها لم تقتصر على نهب الأرض  وتشريد أهلها، بل طالت التاريخ بدسها مغالطات وأكاذيب لتبرر بها وجودها، ولعل أبرزها هو أسطورة الحق اليهودي في فلسطين التي تشكل جوهر الأيديولوجية الصهيونية بادعائها أن تلك البلاد هي أرض حصرية لشعب مقدس ظل على مدى آلاف السنين مشتتًا يعاني ويلات القمع والاضطهاد من كل الشعوب التي جاورها وعاش بين ظهرانيها منتظرًا أمل الخلاص بالعودة إلى الوطن القومي أرض الأجداد.

 وعلى امتداد التاريخ لم تفتر عزيمة هذا الشعب، حيث قاوم كل موجات الاضطهاد والتهجير والقتل التي استهدفتهم على يد البابليين والرومان مرورًا بمحاكم التفتيش في العصر الوسيط فانتهاء بمذابح هولوكوست في الحرب العالمية الثانية.

ومن المؤكد أن هذا الصمود والمقاومة الشديدة تجاه محاولات الإبادة والتهجير القسري أو الدمج الطوعي لاستيعابهم في الحضارات التي عاصروها ترجع إلى الخصائص المتفردة التي ميزتهم من حيث طبيعة الدين والثقافة ذات الطابع الانغلاقي، كان لها انعكاس عميق بخلقها شعورًا جماعيًا بالرفعة وعلو المكانة في مقابل دونية الأغيار أي بقية الشعوب، وهكذا أسهمت عقدة الاستعلاء كظاهرة نفسية في تعزيز الروابط الاجتماعية وتقويتها وخلق المناعة تجاه محاولات الاندماج والانصهار في بلدان الشتات التي ضمت الجماعات اليهودية باعتبارها محطة مؤقتة لتحقيق حلم العودة.

والحاصل أن من بين المغالطات التي تفسر استمرارية الوجود اليهودي طيلة التاريخ وتفرده هي وحدة الأصل العرقي باعتبار الانتماء إلى الجنس السامي هو القاسم المشترك بين جميع يهود العالم أيًا كان موطن استقرارهم، ولأن من سمات تاريخ الشعوب هو الامتزاج بين الأساطير والحقائق كقاعدة فلم يشذ اليهود عنها بل جسدوا تطبيقًا عمليًا حيث ظل تراثهم التاريخي حافلًا بها ومحفزًا في الآن ذاته في صراع البقاء والحفاظ على الهوية المتميزة على الدوام.

وعادة حسب المدونات الدينية وأسفار العهد القديم يصر اليهود على انتمائهم إلى الجنس السامي من ذرية سام بن نوح عليه السلام وبكونهم شعبًا مقدسًا من نسل الأنبياء الذين اصطفاهم الله على جميع البشر وخصهم بالمكانة الرفيعة ممثلين بذلك جزيرة التوحيد وسط محيط الوثنية العظيم.

وظل هذا الادعاء أحد مقومات هويتهم كمجموعة بشرية مشتتة ذات خصائص عرقية ودينية مشتركة عابرة للأزمنة والأمكنة، وما زال اليهود إلى الآن يرددون أسطورة الانتماء إلى ذلك الشعب السامي الضارب في عمق التاريخ لتبرير الادعاء بحق ملكية فلسطين كأرض بلا شعب لشعب بلا أرض، وباستقراء التاريخ وعلومه المساعدة من أركيولوجيا وأنتربولوجيا يمكن التوصل إلى نتائج تدحض هذا الافتراء بنفي أسطورة النقاء العرقي للشعب اليهودي.

وقبل الخوض في تفاصيل هذا التحقيق فمن الضروري الإشارة إلى الالتباس الحاصل في التمييز بين التسميات الدارجة حين الحديث عن هذا الشعب والمتراوحة بين العبرانيين وبني إسرائيل واليهود وهذا الاختلاف له تفسير تاريخي معبر عن المحطات الأساسية في تشكل الهوية الخاصة بهذا الشعب.

ففي فجر التاريخ شهدت مناطق الهلال الخصيب ظهور أول تكتل لعشائر بدوية سامية اعتمدت على الرعي والترحال حيث وردت إشارات عنهم في ألواح تل العمارنة باسم خابيروا أو حابيروا وهي تسميات تقارب في لفظها اسم العبرانيين.

وإذا كانت هذه الوثائق التاريخية تضمنت إشارات عن وجود عشائر عبرانية عاصرت أوج قوة الدولة المصرية الوسطى مما يحيل بالتالي إلى مدى قدم وجودهم التاريخي، فإنها في المقابل لا تقدم توضيحًا حول أصول هذه العشائر أو موطنها ولا تقدم تفسيرًا لتسميتها بهذا الشكل.

ولإزالة هذا الغموض يمكن الاستعانة بأسفار العهد القديم وهي الكتب المقدسة اليهودية على الرغم من المؤاخذات المسجلة عليها لتوضيح ذلك، حيث ترجع أصل تسمية العبرانيين إلى هجرة النبي إبراهيم وعبوره نهر الأردن بأهله لاستيطان منطقة كنعان أي فلسطين الحالية منذ حوالي 2200 قبل الميلاد والتي تسمى في الأدبيات اليهودية بأرض إسرائيل كناية عن الوعد الإلهي لجدهم النبي إبراهيم بمنح هذه الأرض المقدسة لذريته.

وبعد ذلك  تشكلت 12 قبيلة كبرى من نسل النبي يعقوب، وستعرف مرة أخرى نزوحًا نحو بلاد مصر بعد القحط الذي أصاب بلادهم حيث استوطنوا بها ممارسين الانتجاع في أراضيها وحينما تكاثرت أعدادهم بدأت علاقاتهم تسوء مع حكام مصر مما عرضهم للاضطهاد والتنكيل والاستعباد.

واستمر هذا الوضع إلى غاية ظهور بطل قومي هو النبي موسى الذي استطاع أن يخلصهم من محنهم وأن يقود موجة النزوح نحو أرض الكنعان أرض الأجداد، لتبدأ بذلك محطة جديدة في تاريخهم، ومع هذه الهجرة حصلت تطورات جديدة فلم يقتصر النبي موسى على تخليص شعبه من محنة الاستعباد بل عمل كذلك على نشر تعاليمه الدينية الجديدة أي اليهودية مسهمًا بذلك في تبلور هوية دينية/ قومية خاصة وتدريجيًا قاد ذلك إلى ترسيخ وعي سياسي بضرورة تشكيل كيان قادر على حماية الشعب والأرض المقدسين.

وقاد هذا التطور إلى ظهور عدة كيانات سياسية من أبرزها مملكة شاول ثم مملكة داود وسليمان وهي الأعظم على الإطلاق بفضل إنجازاتها واتساع نطاق نفوذها، وبعد وفاة هذا الأخير انشطرت إلى دولتين إسرائيل بالشمال ودولة يهودا بالجنوب نسبة إلى السبط يهود أحد أبناء النبي يعقوب.

وشاءت الأقدار بحكم الموقع الجغرافي أن تتعرض هذه الممالك للغزو من طرف جيرانها حيث تعرضت للاندثار بعد احتلال الآشوريين لمملكة إسرائيل قرابة القرن الثامن قبل الميلاد بينما بقيت مملكة يهودا صامدة إلى أن تعرضت للاجتياح البابلي على يد بختنصر في القرن السادس قبل الميلاد، وحينها جرى سبيهم واقتيادهم إلى بابل كاسرى إلا أن هذه التجربة لم تؤثر عليهم إذ ظلوا يقاومون الاندماج والانصهار داخل المجتمع البابلي القديم محتفظين بخصوصياتهم الدينية والثقافية كأقلية إلى أن جاء خلاصهم هذه المرة على يد الإمبراطور الفارسي قورش الذي غزا بلاد بابل حيث أرجعهم بعدها إلى موطنهم الأصلي، وكان لهذه المحنة وقع شديد حيث تسبب في إبادة أعداد مهمة منهم بينما لم يكتب النجاة إلا لمجموعة منهم تنتمي إلى السبط اليهودي من بني إسرائيل بالإضافة إلى أقليات صغيرة من باقي القبائل ولذلك أصبح يطلق على القلة الناجية منهم اليهود.

يهود اليوم ليسوا يهودًا

مع عودة اليهود إلى فلسطين ونجاتهم من عملية الإبادة وإن كبدتهم خسائر فادحة وصلت عملية تطور قوميتهم المتفردة إلى مراحلها النهائية، إذ توضحت العديد من معالمها المتطرفة في التعصب للهوية وكراهية واحتقار الآخرين من باقي الشعوب وهو ما يفسر لماذا تحولت اليهودية إلى ديانة منغلقة في هذه المرحلة.

وبفعل الانغلاق الشديد وعلاقاتهم الخارجية المضطربة عانى اليهود مجددًا للغزو من طرف قوة جديدة وهي الإمبراطورية الرومانية حيث تعرضوا للتهجير القسري وبذلك سينتقل عدد كبير منهم إلى الضفة الشمالية من البحر الأبيض المتوسط خاصة إسبانيا والبرتغال، بينما ارتأت البقية النزوح نحو بلاد العرب وشمال أفريقيا والذين جرى تسميتهم بالسافارد.

وظل الوجود اليهودي مشتتًا بين عدة مناطق مما أدى إلى غياب أي أثر أو دور حضاري لهم حيث فضلت الجاليات اليهودية العيش على هوامش مؤثرة الانعزال كنمط للعيش، ولم يكد يبزغ القرن الثامن الميلادي حتى بدأت الأحوال في التغير، ففي هذه المرحلة التي عرف فيها  العالم احتدام الصراع بين الخلافة العباسية الإسلامية والدولة البيزنطية المسيحية، ظهرت قوة جديدة سميت بإمبراطورية الخزر تشكلت من شعوب تركية وامتدت حدودها على مساحة هامة من البحر الأسود إلى بحر قزوين ومن القوقاز إلى الفولجا.

وفي خضم هذا الصراع المحتدم بين العالمين الإسلامي والمسيحي قررت القوة الجديدة النزوع نحو الحياد لتطبيع العلاقات معهما وتحقيق مكاسب تجارية من خلال ذلك واتخذ كذلك مظهرًا دينيًا بالتحول إلى الديانة اليهودية رسميًا، ففي دراسة  المؤرخ اليهودي آرثر كيستلر القبيلة الثالثة عشرة ويهود اليوم، يرى بأن العوامل التي سهلت التحول نحو اليهودية هو  وجود جالية يهودية كبيرة زاولت التجارة ولعبت دورًا كبيرًا في تحقيق الازدهار الاقتصادي الذي شهدته إمبراطورية الخزر كما عملت على التبشير بتعاليم الدين اليهودي وبالتالي كسب أتباع جدد.

وعليه اعتنق غالبية الخزر اليهودية على الرغم من أن أصلهم يرجع إلى القبائل التركية أي ليس ساميًا ولا ينتسبون إلى قبائل بني إسرائيل الاثنتي عشرة، ومع انهيار دولتهم وكساد نشاطهم الاقتصادي اضطروا إلى النزوح غربًا نحو أوروبا حيث كونوا مجتمعات كبيرة في روسيا وأوكرانيا وبولندا مكونين مجموعة جديدة دعيت بالإشكناز.

ولعل أبلغ دليل على أن يهود اليوم لا تجمعهم صلة ببني إسرائيل هو أن الإشكناز الغربيين وهم يهود الخزر شكلوا سنة 1960 قرابة 91% من اليهود بينما نسبة البقية مكونة من السفرديم الشرقيين والفلاشا اليهود السود، ومن جهة أخرى فلا وجود لعرق أو سلالة يهودية. فنظرة واحدة على المجموعات البشرية اليهودية المتنوعة من حيث السمات الشكلية أي لون البشرة وشكل الرأس والوجه والعينين كفيلة بنفي الوحدة العرقية، وهذا راجع إلى كونهم ببساطة مجموعات بشرية متنوعة تهودت بالدين فقط.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

– ول ديورانت، قصة الحضارة، المجلد الأول.
– جمال حمدان، اليهود أنثربولوجيا.
– آرتر كيستلر، القبيلة الثالثة عشرة ويهود اليوم.
عرض التعليقات
تحميل المزيد