منذ فجر التاريخ تشكلت أمم وشعوب تمايزت عن بعضها بالعوامل التي ساهمت في تبلورها وبخصوصياتها الدينية والاجتماعية والثقافية، وتقاطعت في محددات أخرى، مثل الوعي الجماعي بالانتماء للوطن والاشتراك في الذكريات والتقاليد الثقافية، وإذا كان تشكل الأمة أساسًا مرتبط بالشعور المشترك بين الأفراد والارتباط الوجداني بالوطن، فهناك حالة مميزة فريدة يجسدها النموذج اليهودي الذي اقترن في أغلب الفترات بالشتات.

فبعد أن بينا في المقال السابق سمات الهوية اليهودية كنسق قومي وديني، وكيف قادت التجارب التاريخية إلى تبلورها، ففي هذا الجزء نسلط الضوء على تطور صيروة الهوية اليهودية في أوروبا ومحطاتها البارزة، وكيف قادت تجارب الشتات والاضطهاد التي تعرض لها اليهود في بروز قضية تاريخية كان لها وقع خطير، وهي المسألة اليهودية.

السياق التاريخي للمسألة اليهودية

ارتبط وجود اليهود في أوروبا بتجربة التهجير التي تعرضوا لها على يد الرومان عقابًا لهم على تمردهم وثوراتهم المستمرة، وبسببها انتقلت مجموعات كبيرة منهم إلى الضفة الشمالية حيث استوطنوا  إسبانيا والبرتغال مكونين جالية سميت بالسافارد، وخلال هذه الفترة لم يجد هؤلاء صعوبة في الاندماج داخل هذه المجتمعات الجديدة نظرًا لكفاءتهم التجارية ودعم السلطة لهم مما مكنهم من تدعيم نفوذهم كنخبة اقتصادية.

وترسخ هذا الوضع بشكل أكثر  مع انهيار الإمبراطورية الرومانية وبزوغ العصر الإقطاعي الذي خيم على أوروبا قرابة ألف سنة، فلقد ترتب عنه نتائج عميقة طالت البناء الاجتماعي والاقتصادي بتشكل طبقات اجتماعية متباينة من حيث طبيعة الوظائف والأدوار والعلاقات البينية، كما أدى غياب السلطة المركزية إلى تشرذم أوروبا لكيانات مجهرية تتشكل من الاقطاعيات أو القرية (المزرعة) التي يديرها السيد بمعية الأقنان، وهم العبيد المرتبطون بالأرض الزراعية.

وفي ظل التشرذم السياسي والانعزالية المميزة لمجتمعات الإقطاعيات بأوروبا تزايد الاعتماد على اليهود كجماعة وظيفية أوكلت إليها أدوارًا اقتصادية محددة، فنظرًا لمهارتهم في التعاملات التجارية، وتوفرهم على شبكة من العلاقات الخارجية مع أقرانهم في المناطق الأخرى، فقد شكلوا طبقة مهمة لا غنى عنها للتزود بالحاجيات الأساسية من سلع وبضائع وتصريف فائض الإنتاج والاقتراض منهم كذلك؛ لكون الشريعة اليهودية تسمح بالتعامل الربوي مع الأغيار، أي: غير اليهود.

وهكذا أسهم اليهود خلال العصر الوسيط في تنشيط القطاعات الاقتصادية واضعين اللبنات الأولى في تشكل دعائم الاقتصاد الحديث القائم على تراكم المال واستثماره في دورة الربح السريع مثل التجارة الدولية والإقراض، ومن جهة أخرى قادت هذه التطورات بشكل غير مباشر إلى خلخلة النظام الفيودالي القائم على الزراعة.

ونظرًا لطبيعة هذه الأدوار الهامة تمتع اليهود بحماية ورعاية ملوك أوروبا لهم، إلا أن هذا الوضع لم يستمر طويلًا، فبعد الانفتاح التجاري للمدن الإيطالية على العالم الإسلامي تشكلت طبقة اجتماعية جديدة من الأوروبين المسيحيين امتهنت الوساطة التجارية؛ مما مكنها من مراكمة ثرواث هائلة، وأهلها ذلك لإعادة تشكيل البناء الاقتصادي والسياسي ضمانًا لمصالحها المتنامية.

وبظهور هذه الفئة التجارية المعروفة بالبرجوازية بدأ الانبعاث الحقيقي لأوروبا في جميع المجالات، والتي ستتعمق أكثر عبر التوسع الخارجي مع انطلاق عصر الكشوفات الجغرافية، فترتب عن هذه التحولات إضعاف النفوذ الاقتصادي لليهود الذي أصبح يعاني من منافسة شديدة من قبل الأسر البرجوازية الأوروبية.

وبفعل انتفاء الحاجة لليهود كجماعة وظيفية وتعويضها بالبرجوازية المسيحية النامية ساءت العلاقات اليهودية المسيحية، وتحولت إلى أزمة حقيقية بين الطرفين، واستفحل خطاب الكراهية والتعصب الموجه لليهود، فبرزت ظاهرة معاداة السامية التي أخذت بعدًا دينيًا بإحياء فكرة مسؤوليتهم في اضطهاد وقتل السيد المسيح حسب المعتقد المسيحي.

وبلغ الاضطهاد أوجه مع سقوط الاندلس بعد حرب الاسترداد، حيث تشكلت العديد من محاكم التفتيش لملاحقة الموريسكيين – المسلمين الأندلسيين – المتخفين، واليهود؛ بتهم متعددة، ومنها الهرطقة والكفر وغيرهما، وحوكم الكثير منهم بعقوبات تراوحت بين القتل ومصادرة الأموال والأملاك؛ مما أرغم جماعات منهم على النزوح، إما نحو بلدان العالم الإسلامي، وإما نحو نحو مناطق أخرى من أوروبا.

وفي خضم هذه الاضطرابات والتحولات التي أضرت بنفوذهم الاقتصادي والاجتماعي وتحولهم إلى جماعة غير مرغوب فيها، فقد كان لذلك وقع شديد على النفسية الجماعية اليهودية، أفضى إلى اقتناع بإيثار الانغلاق والانعزال كآلية للحفاظ على الهوية والانتماء وتعزيز الروابط المشتركة على أساس التكافل الاجتماعي بين الأفراد، وهو ما ترتب عنه ظهور مجتمعات الجيتو، خاصة في أوروبا الشرقية.

خصائص مجتمع الجيتو

تميزت الجاليات اليهودية في أوروبا بتباين واضح من حيث توزيعها المجالي ودرجة اندماجها أو انغلاقها وطبيعة الأدوار الممارسة، وعادة يتم التمييز بينهم حسب الأصول العرقية ومناطق استقرارهم، ففي بلدان أوروبا الغربية، باستثناء إسبانيا، ظلت حالة العلاقات اليهودية الأوروبية مقبولة على العموم، حيث تمكن يهود سافارد بحكم أهميتهم الاقتصادية وشبكة علاقاتهم الملتوية مع الحكام ورجالات السلطة من الحفاظ على  الحد الأدنى من هامش الحرية والتسامح، وإن شابته بعض المشاكل بين الفينة والأخرى، وفي مقابل ذلك سنجد نقيضه في بلدان أوروبا الشرقية المتخلفة، مثل روسيا وأوكرانيا وبولندا، حيث وُجدت بها جاليات ضخمة من يهود الأشكناز المنحدرين من إمبراطورية الخزر التركية التي تهودت.

وفي وسط سلافي عرقيًا وأرثوذكسي أصولي دينيًا ما زالت تسود فيه الإقطاعية اقتصاديًا، فضل اليهود (الأشكيناز) عكس أقرانهم (السفارديم) الانطواء على الذات والانعزال عن المحيط، وتجسد ذلك في بروز ظاهرة التجمعات السكانية اليهودية مثل (القهال، والشتتل، والجيتو)، وهي عبارة عن أحياء مسورة منيعة خاصة باليهود، أشبه ما تكون بمدن صغيرة، وتشبه حارات اليهود في البلدان العربية.

ويعد الجيتو مثالًا على مجتمع مصغر بكل تناقضاته الطبقية والثقافية والاقتصادية ضم جميع فئات اليهود، حيث عاشوا فيها كإطار انعزالي قائم الذات تتفاعل فيه علاقاتهم البينية على مبادئ الشريعة اليهودية عبر التكافل والتضامن ومزاولة أنشطة بسيطة مدرة للدخل التي تحتاج لها المجتمعات الاقطاعية بأوروبا الشرقية، مثل: صياغة الذهب، وتجارة الملابس المستعملة، وتقديم القروض.

وبالموازاة مع العزلة التي فرضها اليهود على أنفسهم، كانت أوروبا تعيش  تحولات اقتصادية وفكرية ودينية عميقة غيرت بعمق بنائها الحضاري، وكان من ثمارها انبثاق حركة التنوير كفلسفة عقلانية، ثم ظهور الليبرالية المنادية بحقوق الإنسان الطبيعية وصياغة تعاقدات بين الأفراد وبين الدولة على أساس المساواة بغض النظر عن الانتماءات الدينية والعرقية، وتمت ترجمة ذلك بتأسيس الدولة القومية الحديثة.

ولقد كان لكل ذلك انعكاسات عظيمة طالت كل المجالات، ولعل ما يهمنا أكثر هو وضع الأقليات خاصة اليهود، فمع عملية توحيد الهياكل الإدارية والقانونية وتفكيك الفوارق بين الطبقات الاجتماعية لتحقيق الاندماج داخل إطار الأمة برزت مسألة اليهود كجماعة – عرقية دينية اقتصادية – بحدة، إذ واجهت عملية دمجها داخل المنظومة الجديدة صعوبات جمة.

فعلى الرغم من منح معظم بلدان أوروبا للجاليات اليهودية كافة حقوقهم المدنية والسياسية باعتبارهم مواطنين مقابل التخلي عن الانعزالية التقليدية والولاء الغامض لأرض الميعاد، أي إسرائيل، تمهيدًا لتحويلهم إلى قوى منتجة داخل المجتمع، سنجد تفاوتًا واضحًا في قبولها والانخراط في ديناميتها.

 ففي بلدان أوروبا الغربية المتقدمة  كانت استجابة اليهود لهذه العملية التي أطلق عليها حركة الانعتاق اليهودي منقطعة النظير  تجسدت بولوج أبنائهم المدارس الأوروبية العلمانية وانخراط أعداد منهم في سلك الجندية، وهذا الأمر يمكن رده إلى حجم تعدادهم القليل نسبيًا، واندماجهم الفعلي قبل هذه الحركة في دواليب الحياة الاجتماعية والاقتصادية.


إذًا كان رد فعل الجماعات اليهودية الغربية إيجابيًا مع بروز حركات إصلاحية تنويرية داخل أوساطها، تعاملت بواقعية مع متطلبات العصر وأظهرت جدية في الانخراط في سيرورتها، قادها بعض المفكرين، ومن أبرزهم اليهودي الألماني كارل ماركس الذي تحدث في كتاباته عن المسألة اليهودية، فلقد اختلف الوضع كلية بروسيا وبولندا؛ حيث تواجد الأشكيناز بأعداد ضخمة، فقد قوبل ذلك بالرفض والمعارضة الشديدة بحكم تخلفهم الحضاري، وحتى الاقتصادي  وإخفاقهم في مسايرة متطلبات وشروط الانعتاق والتحرر.

 فساهمت هذه العوائق في  افشال حركة الانعتاق والتحرير وقاد في نهاية المطاف إلى توتر العلاقات بين هذه الجاليات وبلدانها خاصة روسيا التي شهدت خلال القرن 19 موجة اضطهاد وقمع واسعة لليهود القاطنين بها، اضطروا معها للهجرة والنزوح نحو أوروبا الغربية والولايات المتحدة.

وهنا يمكن فهم المسألة اليهودية، وليس كونها نتاجًا للاضطهاد والقمع الممارس في حق أقلية، بل هي حصيلة تشبث بالهوية والانتماء والبنى التقليدية المتجاوزة، ورفض طوعي لاندماج في الاوضاع الجديدة، والذي يبرر بطبيعة النفسية اليهودية التي تحبذ الانطواء والانغلاق كسبيل للحفاظ على التمييز والتفرد عوض عن الانخراط في دينامية التحولات، وهكذا قاد فشل الاندماج إلى ميلاد حركة سياسية ستلعب دورًا خطيرًا بعدها، وهي الصهيونية التي سنتعرف عليها في الجزء القادم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!