شهدت أوروبا خلال العصر الحديث تطورًا فكريًا هائلًا شمل أبعادًا ومجالات متعددة، فكان ذلك دافعًا لإعادة بناء الأمم والشعوب وخلق هياكل جديدة قادرة على مواكبة التحولات الجديدة.

ومن جملة هذه التطورات الفكرية بروز أيديولوجيات كتب لها أن تغير حياة الملايين من الأفراد وتنظمهم على أسس جديدة، تخالف الأعراف السائدة والمتداولة في طبيعة الانتماء والهوية والعلاقات والتفاعلات من بينها الصهيونية.

فبعد أن بينا في المقال السابق الصلة الوطيدة بين المسألة اليهودية وبروز الحركة الصهيونية كرد فعل على فشل حركة الانعتاق وتحرير اليهود ومساواتهم بباقي مواطني البلدان الأوروبية، وكيف أدى ذلك إلى تفاقم الاضطهاد والقمع الممارس بحق الجاليات اليهودية في وسط وشرق أوروبا.

ففي هذا المقال نستعرض بشيء من التفصيل بنية الفكر الصهيوني وأهدافه والوسائل التي استند إليها للوصول إلى غايته الأساس المتمثلة في تأسيس الوطن القومي لليهود.

الفكر الصهيوني وسياقه التاريخي

سنظل دائمًا غرباء بين الأمم قد يتم تحريركم بدافع الإنسانية والتنوير لكن على الرغم من ذلك لن نكسب احترام الأمم التي نعيش بينها ما دمنا ننكر جنسيتنا  خطاب ليو بنسكر أحد المفكرين اليهود في سنة 1881

وصل المد القومي في القرن التاسع عشر مداه بتشكل العديد من الشعوب والدول بأوروبا على أسس حديثة قوامها الهوية المشتركة والولاء للوطن وتقديس القوانين الوضعية، مقابل ضمان الحقوق والحريات والمساواة بين الأفراد على أساس المواطنة.

 وإذا كانت مسألة خلق الهوية المشتركة للأغلبية في البلدان الأوروبية قد جرت بدون معيقات تذكر، فإنه في الجانب الآخر المرتبط بدمج الأقليات العرقية والدينية وجدت صعوبات جمة تتمثل في إشكالية الولاء.

 فلقد كان لفشل حركة الانعتاق ودمج اليهود في مجتمعاتهم الحديثة خلال القرن التاسع عشر وبالأخص في وسط وشرق أوروبا عواقب وخيمة  بتنامي حملات الاضطهاد والكراهية والقمع الممارس بحقهم بلغت ذروتها في مذابح روسيا سنة 1881،  والتي دفعت الآلاف للنزوح نحو ألمانيا أو الهجرة للولايات المتحدة فرارًا من الإبادة فانتشرت  دعوات الانعزالية والانطواء على الذات في أوساط الجاليات اليهودية رفضًا للاندماج في الوضع الجديد.

ولقد برر تيار الانعزال المتعصب للهوية اليهودية رفضه التام لعملية الانعتاق والتحرر من منطلق تخوفه من اندثار الهوية اليهودية ذات الحمولة القومية والدينية وتعارضها مع متطلبات الحداثة الليبرالية القائمة على المساواة بين الأفراد ونبذ التمييز بينهم على أساس ديني أو عرقي، بعد أن فرضت الدساتير الأوروبية التخلي عن مقومات هويتهم والقبول بالوجبات المفروضة عليهم باعتبارهم مواطنين نظير الاندماج في الوضع الجديد.

وأفضى ذلك إلى تبلور حركة ودعوة وأيديولوجية سياسية التوجه عرفت بالصهيونية اشتقت تسميتها من جبل الصهيون المطل على القدس، قدمت نفسها حلا لمعضلة الوجود اليهودي في أوروبا، وعلى كون الخيار الأمثل للخلاص هو تسهيل إقامة وطن قومي خاص باليهود، حيث يمكن المحافظة على الهوية اليهودية من الاندثار وإعادة بنائها من جديد بعد قرون من الشتات.

وجدت الأيديولوجية الصهيونية جذورها العميقة فيما أفرزته الحضارة الغربية من إنتاجات فكرية وسياسية حيث استفادت منها لخلق هوية يهودية حديثة وإعادة بناء الأمة من جديد مستلهمة مبادئ الفكر القومي القائم على الدين والتاريخ والأرض، ومن جهة أخرى فلقد أفادت حركة التنوير والانعتاق في بروز قيادة فكرية يهودية تأثرت بقيم الحضارة الغربية الليبرالية أسهمت بشكل بارز في تطوير الأيديولوجية الصهيونية وإضفاء طابع الواقعية على مثلها ومبادئها وغاياتها.

هرتزل عراب الحركة الصهيونية

إذا صدق عزمكم فهي ليست أسطورة (هرتزل كتاب الأرض القديمة الجديدة 1902)

في سنة 1896 اندلعت في فرنسا قضية خطيرة كان لها دور بارز في تأجيج مشاعر الكراهية والحقد ومعاداة السامية أو اليهودية، كان بطلها ألفريد دريفوس الضابط اليهودي الفرنسي الذي أدين بالخيانة العظمى واتهامه بتسريبه معلومات جد حساسة للجيش الألماني ثم الحكم عليه بالحكم المؤبد ولم يفرج عنه حتى بعد أن تمت تبرئته.

ومن بين الشخصيات اليهودية التي حضرت أطوار المحاكمة وقامت بتغطيتها الصحفي اليهودي النمساوي تيودور هرتزل، فلقد كان للجو العدائي المصاحب للقضية خاصة أن المتهم يهودي بريء تأثير عميق على قناعاته ومبادئه الفكرية، فبعد أن كان ينادي في بدايات حياته المهنية بأن الاستيعاب الكامل لليهود في المجتمعات الأوروبية سبيل وحيد للخلاص، أصبح مقتنعًا بأن حل المسألة اليهودية سياسي بالدرجة الأولى وبيد الحكومات الغربية التي يمكنها أن تمنح سيادة على جزء من مستعمراتهم لتوطين اليهود فيها وخلق الوطن القومي اليهودي في إطار شراكة استعمارية.

ونجح هرتزل في تهويل المأساة اليهودية من خلال هذه الواقعة الفردية، وأصدر كتابه الشهير الدولة اليهودية الذي أكسبه أنصارًا جددًا وشعبية أكثر، مما شجعه على إقامة أول مؤتمر صهيوني في بال بسويسرا سنة 1897 لنشر تصوراته الثورية، مضيفًا بها دينامية جديدة في الأيديولوجية الصهيونية، أبانت عن فهمه العميق لروح العصر وفلسفته العميقة الكامنة في طيات تحولاته السياسية والاقتصادية وهنا كان من الضروري العمل على تفعيل هذه التصورات على أرض الواقع.

قدمت الصهيونية نفسها باعتبارها أيديولوجية متكاملة الأركان وحلا واقعيًا للمسألة اليهودية ومعاداة السامية في أوروبا، فلقد عمل الآباء المؤسسون لها على ضرورة ربطها بالحركة الإمبريالية وتسخيرها لخدمة أهدافها وغاياتها، فتحولت بذلك من مجرد فكرة إلى منظمة سياسية.

الصهيونية الاستعمارية

من أجل أوروبا سنبني هناك حاجزًا في مواجهة آسيا سنكون طليعة حراس الحضارة ضد البربرية.     هرتزل

ففي نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وصلت الرأسمالية الصناعية والمالية إلى أقصى مراحل ازدهارها وتوسعها، فقاد ذلك إلى تفاقم عدة مشاكل ارتبطت عمومًا بفائض الإنتاج الصناعي والمالي وحتى البشري الزائد عن الحاجة، وشكل اليهود بحكم طبيعة تقادم أدوارهم الاجتماعية والاقتصادية مجموعة بشرية فائضة عن الحاجة كان من اللازم  التخلص منها.

وهنا التقت مصالح الحركة الصهيونية بالحكومات الغربية، حيث استغل الصهاينة هذه المعضلة لعرض خدماتهم مقابل تسهيل عملية الحصول على جزء من المستعمرات الأوروبية المنتشرة في بقاع العالم سواء في كينيا أو أوغندا أو العريش أو الأرجنتين أو فلسطين، غير أن هذه الأخيرة بالذات كانت الأكثر إثارة للاهتمام لظروف دينية وتاريخية.

وهكذا بدأ الصهاينة في طرق أبواب الحكومات الغربية على أمل الحصول على الدعم والمساعدة، كتب هرتزل إلى سيسل رودس أحد رموز الإمبريالية البريطانية قائلًا لماذا أتوجه إليك؟ لأنه مشروع استعماري وأن أطلب منك أن تعطي المشروع الصهيوني كل الثقل الذي تمتلكه.

فكانت بريطانيا بدورها  أكثر تحمسًا لذلك، خاصة أن دعائم نموذجها الاستعماري قائم على توظيف الأقليات داخل المستعمرات لخدمة مصالحها الاستعمارية، فمثل اليهود بالنسبة لصناع القرار البريطاني جماعة وظيفية يمكن استغلالها للسيطرة على الشرق الأوسط وحماية مصالحها.

وتمثل هذا الدعم والتعاون البريطاني في إطلاق وعد بلفور 1917 الذي تعهد بإقامة وطن قومي لليهود بأرض فلسطين وتسهيل الهجرة اليهودية نحوها، مع تقديم كل المساعدات الممكنة لتحقيق ذلك ومع انهزام الإمبراطورية العثمانية وانهيارها، أصبحت الفرصة مواتية لتحقيق ذلك، فعملت بريطانيا على استصدار قرار الانتداب عبر عصبة الأمم وجعل تنفيذ وعد بلفور أولى أولوياته.

أجادت الصهيونية لعب دور العميل الاستعماري كرأس حربة لاختراق الشرق الأوسط المهم استراتيجيًا والغني بموارده الطبيعية، ومع الفراغ السياسي الذي طوق معظم مناطقه وسقوطه تحت الانتداب الفرنسي والبريطاني، اختمرت الظروف الملائمة لتنفيذ أحلام الصهيونية وتنزيلها على أرض الواقع.

بعد وفاة هرتزل انتقلت القيادة إلى جيل جديد من القادة الصهاينة باسماء شابة حاييم ويزمان ماكس نوردو وغيرهم، أيدوا توجهًا عمليًا أكثر في شكل تشجيع الاستيطان والهجرة اليهودية إلى فلسطين وإقامة الوطن القومي لليهود، فراجت أسطورة أرض بلا شعب لشعب بلا أرض.

وكانت العقبة الوحيدة هي ضيق القاعدة الشعبية، مثلت الأيديولوجية الصهيونية بمبادئها العلمانية وتشبثها بمطلب العودة إلى أرض الأجداد ردة وتجديفًا عن توابث الشريعة اليهودية المركزة على عقيدة انتظار الماشيح أو المخلص للعودة، وأمام هذا الإشكال حاول زعماء الصهيونية خاصة من جاء بعد هرتزل التخفيف من حدة علمانية حركتهم والتقرب ما أمكن من القيادات الدينية لإضفاء مسحة دينية على الحركة.

وعلى الرغم من ذلك ظل الوجود اليهودي بفلسطين رغم الامتيازات والتسهيلات الممنوحة ضعيفًا من حيث التعداد ومحدود تأثيرًا فاضطرت الحركة الصهيونية للكشف عن وجهها الإجرامي حتى أمام بني جلدتها بالتحريض عليهم في بلدانهم الأصلية وإرغامهم على الهجرة والنزوح.

وهنا يمكن أن نستخلص الخلفية الحضارية والتاريخية للأيديولوجية الصهيونية التي تقاطعت مع الإمبريالية من حيث الأهداف والخطاب الموظف لاستمالة الدعم الغربي اللازم لإنجاح مشروعها الاستعماري والإجرامي، حيث تجسد تسخيرها كل السبل حتى الدنيئة كالتعاون والعمالة للأنظمة المعادية للوجود اليهودي في أوروبا بما فيها النازية، حيث سنرى في المقال القادم التحالف المشبوه بينهما.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

– روجيه جارودي، محاكمة الصهيونية الإسرائيلية
– عبد الوهاب المسيري، الأيديولوجية الصهيونية
عرض التعليقات
تحميل المزيد