تختص الحضارة الغربية كظاهرة تاريخية بسمات خاصة تتضح في بناها الفكرية وثوابتها المبنية على تقديس الإنتاجية والنفعية المبالغ فيها، وتسخير الآخرين واستغلالهم دون اعتبار للتكاليف أو التبعات المترتبة، ولذلك مثل العالم بالنسبة للأوروبيين مادة استعمالية لخدمة التقدم الاقتصادي المحقق وإدامته.

بينا في المقالات السابقة أن التقدم الاقتصادي لأروبا خلال القرن 19 و20حول اليهود إلى مجموعة بشرية فائضة عن الحاجة، بفعل تقادم أدوارهم داخل المنظومة الإنتاجية وتفاقم الوضع أكثر حدة مع فشل حركة الانعتاق والتحرير التي استهدفت دمجهم ومنحهم كافة الحقوق المدنية كمواطنين أوروبيين.

ولقد كان لذلك عواقب وخيمة على وضعيتهم مع تنامي حملات القمع والاضطهاد بلغت ذروتها في مذابح روسيا، رسخت تلك القناعة الرائجة باستحالة الاندماج واستعصاء الحل الإنساني للمسألة اليهودية، لتظهر معها تيارات سياسية يهودية حاولت تقديم نفسها كحل واقعي، ومن أبرزها على الإطلاق الحركة الصهيونية.

البنية الفكرية للأيديولوجيتين الصهيونية والنازية

النازية كما الصهيونية ليست انحرافًا عن جوهر الحضارة الغربية، بل تعبيرًا متبلورًا عنه. – عبد الوهاب المسيري.

تمثل النازية والصهيونية نتاجًا طبيعيًا للفكر الغربي، وانحرافًا لمنظومته الفلسفية ممثلة اتجاهًا جديدًا مفرطًا في الطوباوية انزاح عن الواقعية والعقلانية، تجد الأيديولوجيتين جذورهما العميقة في ما أنتجته الحضارة الغربية من أفكار وتصورات حول طبيعة العلاقات بين الأفراد ومفاهيمها المتعلقة بالأمة والهوية والقومية؛ إذ نجد تشابهًا كبيرًا وتقاطعًا واضحًا بينهما في هذا الصدد، ويتضح من خلال عدة محددات من أبرزها:

  1. الإعلاء من قيمة الانتماء القومي للشعب المقدس المختار، وأهمية النقاء العرقي، سواء بالنسبة لحالة الصهيونية كما في أسطورة شعب الله المختار، أو في النازية مع مفهوم الشعب الخالص.
  2. التركيز على شعبوية الغايات من خلال استثارة العواطف والمشاعر لتحريك الجماهير وإخضاعها عن طريق تعزيز الولاءات والروابط التي صنعها الماضي المشترك.
  3. تقسيم البشر عنصريًا وعرقيًا والإيمان بتفوق أعراق بشرية على أخرى مثل أفضلية اليهود على الأغيار، خاصة العرب في الفكر الصهيوني أو تفوق الجرمان على الأعراق المنحطة كالسلاف والغجر واليهود في أوروبا كما في حالة النازية.
  4. الإيمان بضرورة الهجرة إلى الوطن الأم بالنسبة للجاليات التي تعيش في الشتات وفي حالة استحالة ذلك ينبغي التأكيد على الولاء والارتباط في بلد المهجر.     

لعل هذا التشابه الكبير في البنية الفكرية للأيديولوجيتين مرده إلى المنشأ الفكري الذي انبثقت عنه، فكلتاهما إفراز طبيعي للفكر الإلماني المعادي للتنوير والعقلانية ولقيمهما، وإذا كان الفكر النازي وليدًا طبيعيًا لها بحكم البيئة الثقافية، فإن ارتباط الصهيونية بدوره بالفكر الرومانيكي الألماني يثير تساؤلات عديدة حول أسباب ذلك، والجواب نجده عند المفكر المصري عبد الوهاب المسيري الذي يرجعها لعوامل عدة، منها: الأصول الألمانية لزعامات الصهيونية، كنوردو وهرتزل، كما أن اليديشية، وهي لغة يهود أوروبا الشرقية: الأشكيناز، في الأصل رطانة ألمانية.

    والارتباط بين الصهيونية والنازية لم يقف عند حدود التشابه الفكري، بل يمتد يتواصل مع تعاون مضمر بين الطرفين خلف دعاية متقنة روج لخطاب المظلومية والمعاناة من حملات القمع والإبادة الممنهجة التي مارسها النظام النازي بحق الجاليات اليهودية فيما عرف تاريخيًا بالهولوكوست.

الهولوكست والرقص على الجثت

المعادون للسامية سيكونون أفضل حلفائنا. – هرتزل زعيم الصهيونية

تميزت الحركة الصهيونية منذ نشأتها تاريخيًا بمحددين: الأول، الانتقائية، فمن حيث بنيتها الفكرية كانت مزجًا لجميع التيارات الفكرية والسياسية التي أثمرتها الحضارة الغربية، سواء القومية والاشتراكية والليبرالية، معيدة تحويرها بما يخدم غاياتها الأساسية، والثاني، انتهازية في استغلال كل الوسائل والآليات المتاحة، ثم إعادة تشكيلها في قالب أيديولوجي جديد قادر على حل المعضلة اليهودية.

وتجلى المحدد الثاني في طابع البراجماتية والانتهازية، فلقد أدرك رواد الحركة الصهيونية طبيعة روح عصر القرنين 19 و20 القائمة على التوسع الاستعماري وتسخير المعمورة لخدمة أوروبا النامية، كما أجادت اللعب على حبال المتناقضات بغية الوصول للغاية الأسمى خلق الوطن القومي لليهود معرفة نفسها للساسة الغربيين أنها الحل الاستعماري للمسألة اليهودية.

وأسهم تقاطع الغايات والمصالح بين الطرفين في زواج كاثوليكي غير قابل للانفصال كان لرواد الصهيونية الأوائل قناعة بضرورة البقاء على مسافة قريبة من الجميع واستجداء الداعم اللازم لمشروعهم بطرق أبواب القوى الإمبريالية من ألمانيا القيصرية وبريطانيا.

وبالرغم من الدعم الهائل الذي حظيت به، إلا أن ذلك لم يفلح في توسيع قواعدها الشعبية داخل التجمعات اليهودية، خاصة ألمانيا، حيث يوجد الثقل البشري اليهودي الأهم، فلم يتجاوز عدد المنتمين للحركة الصهيونية، سوى 2%، وكان الاتحاد الصهيوني الألماني يجد صعوبة في نشر الأفكار الصهيونية في أوساطهم.

ومع تصاعد النازية مثل ذلك قوة دافعة للحركة الصهيونية، وعلى ضوء القواسم الفكرية والمصالح المشتركة، خاصة رفض استيعاب اليهود داخل ألمانيا، وضرورة إرغامهم على الهجرة نحو فلسطين، عبر الصهاينة عن دعمهم للنظام النازي واستعدادهم لخدمته والتعاون معه سياسيًا واقتصاديًا، وفي المقابل وافق رموز النظام النازي على ذلك، كتب ألفرد روزنبرج، أهم مفكري الاشتراكية القومية:

 يجب مساندة الصهيونية بقوة؛ حتى يتم ترحيل فرقة من اليهود الألمان سنويًا نحو فلسطين.

فأثمر التعاون بين الطرفين اتفاقية هافارا سنة 1933، والتي تعني بالعبرية: الترحيل، حيث سمح النظام النازي للمهاجرين اليهود الألمان بنقل جزء من أملاكهم إلى فلسطين مقابل التزام الصهاينة بكسر المقاطعة الاقتصادية والسياسية المفروضة على النظام النازي.

ولم يقتصر التعاون بين الطرفين عند حدود ذلك، بل امتد ليشمل مجالات أخرى، حيث حظي أنصار الصهيونية، دون سواهم داخل ألمانيا، بالحماية باستثنائهم من حملات القمع والاضطهاد التي مورست ضد اليهود الألمان المطالبين بالاندماج والمعارضين للفكر الصهيوني.

وحتى في خضم ذروة حملات التطهير والابادة بحق اليهود المعروفة بالهولوكوست التي اندلعت إبان الحرب العالمية الثانية، فلم يفتر التعاون بين الطرفين مع انطلاق مفاوضات لتسهيل هجرة اليهود النافعين في بناء الدولة الإسرائيلية، ورد في كتاب المليون السابع لتوم سيجيف:

إنقاذ يهود أوروبا لن يشغل موقع الصدارة في الأولويات؛ فقد كان المهم تأسيس الدولة، وإذا كان علينا الاختيار بين إنقاذ 10 آلاف من اليهود النافعين، وبين إنقاذ مليون يهودي سيتحولون إلى عبء، فمن الأفضل أن نختار العشرة آلاف.

ومع اندحار النازية في نهاية الحرب العالمية وإدانتها بارتكاب جرائم إبادة بحق اليهود انكشف الدور الخطير الذي لعبته الصهيونية في ذلك من خلال التعاون مع النازيين عبر تقديم لوائح بأسماء اليهود الرافضين للهجرة نحو فلسطين والتحريض عليهم؛ مما يجعلها شريكة وطرفًا عن سبق إصرار في جريمة شنعاء.

وبهذا ينكشف الوجه الإجرامي للمشروع الصهيوني بثبوت تورطها في انتهاكات الصارخة بحق بني جنسها، والمتاجرة بآلامهم، ومن المفارقات الغريبة في التاريخ أن ما مارسه النازيون بحق أبرياء اليهود، والذي جرى تحت مباركة قادة الصهيونية، وبتنسيق معهم تحول إلى خطاب مظلومية ما تزال دولة الاحتلال تقتات منه لاستمالة الدعم الغربي، وفي الوقت نفسه يشكل موضوع التنسيق الصهيوني النازي من التابوهات في التحليل الأكاديمي في الغرب بوجود تهمة جاهزة وهي معاداة السامية.

وبنجاح مشروع التهجير القسري ليهود أوروبا نحو فلسطين ستنطلق فصول مأساة جديدة حينما تحولت ضحية الأمس إلى جلاد اليوم في قصة استعمار فلسطين، وهو ما سنراه في المقال القادم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

– الاديولوجية الصهيونية،عبد الوهاب المسيري
– محاكمة الصهيونية الاسرائيلية، روجيه جارودي
-الصهيونية من بابل الى بوش، ابراهيم الحارثي
عرض التعليقات