يشكل الاستعمار الصهيوني لفلسطين نموذجًا متفردًا وحالة خاصة تتوقف عندها عجلة التاريخ، تجد سماتها في بنيتها العتيقة ووسائلها المتجاوزة وغاياتها الفاوستية وفي نتائجها العميقة التي غيرت بعنف مصير منطقة بأكملها.

وفي وقت تتصاعد فيه دعاوي تطبيع والتهدئة والسلام مع الكيان الغاصب من منطلق الأمر الواقع والانكفاء على الشأن الداخلي، تصبح مسألة إحياء الذاكرة التزامًا أخلاقيًا إنسانيًا، وواجبًا قوميًا ودينيًا خاصة في ظل الحرب المستعرة التي يخوضها عملاء الثقافة والفكر لتزوير واستباحة جزء من تاريخنا الحديث والتهوين من الخطر الصهيوني، الذي لا يمكن التغاضي عنه فهو الأصل في علة العالم العربي المزمنة وما الباقي إلا أعراض لها.

بنية الاستعمار الصهيوني

الاستعمار الصهيوني كظاهرة تاريخية هي نتاج طبيعي وإفراز حتمي لتفاعلات الحضارة الغربية وقيمها المتناقضة التي خلقت الفكر الليبرالي الذي أعاد الاعتبار للانسان ككائن مقدس، وجاءت من جهة أخرى بأيديولوجيات انتهازية وعنصرية في تقسيم الشعوب حسب مستواها الحضاري فارضة نفسها الوصية على تمدينها بزعم عبء الإنسان الأبيض.

ففي خضم التطور الهائل الذي وصله الغرب تزايدت النزعة نحو الربح والنفعية أيا كانت النتيجة ولو باستغلال المستضعفين دون اعتبار لأدميتهم، وبحكم تغير طبيعة ووسائل الإنتاج تحولت العديد من القوى البشرية إلى فوائض زائدة عن الحاجة بفعل تقادم أدوار فكان من اللازم صرفها والتخلص منها دون اعتبار للتكاليف المترتبة عن ذلك.

حمل التقدم الهائل الذي شهده الغرب خلال القرن 19 وبداية القرن 20 انطلق الاستعمار العالمي نحو خروجه الكوكبي الشامل جاعلا العالم مادة استعمالية مسخرة لخدمة التقدم الغربي، وحل مشاكله عن طريق تصديرها والشاهد أن من بين الهواجس التي أرقت الساسة الغربيين في تلك الفترة هي جموع الجاليات اليهودية التي تحولت بحكم تقادم أدوراها الإنتاجية واستحالة اندماجها داخل المنظومة الجديدة إلى مجموعة بشرية فائضة ينبغي التخلص منها بأقل كلفة.

وببروز الصهيونية وتبلورها كحل استعماري تلقف الغرب ذلك وأعلن دعمه الكامل لمشروعها الطفيلي الانتهازي، أولًا من خلال تقديم الوعد بخلق كيانها السياسي، ثم الالتزام بتنزيله على أرض الواقع، وهو ما نجده في رسالة هرتزل الزعيم الصهيوني الموجهة إلى سيسيل رودس أحد رموز الإمبريالية البريطانية:

لماذا أتوجه إليك؟ لأنه مشروع استعماري وأنا أطلب منك أن تعطي المشروع الصهيوني كل الثقل الذي تمثله سلطتك.

ولأن الصهيونية هي ظاهرة خاصة فلقد تدرجت في سيرورتها بالعديد من التحولات تماهت وواكبت تطور الإطار الاستعماري الغربي في محطاته التاريخية:

  • استعمار استغلالي مبني على السيطرة على خيرات ومقدرات الغير واستباحتها بدون مسوغ شرعي وهو ما مارسته جماعات المهاجرين اليهود خلال مراحل الأولى لتسربهم إلى فلسطين باستيلائهم على الأراضي الزراعية الفلسطينية بالقوة تارة وبالابتزاز عبردفع مقابل مادي بخس تارة أخرى.
  • استعمار استيطاني لم يكن استعمار فلسطين نتاجًا لغزو عسكري مارسه بلد على بلد آخر وإنما كان عملية مركبة، بدأت منذ بدايات القرن العشرين غرضها فتح باب الهجرة لليهود القادمين من مختلف بقاع العالم، بعد أن ضاقت السبل أمام دمجهم والاستفادة منهم كقوى إنتاجية عاملة، وهو في هذه السمة تتقاطع مع الجيب الاستيطاني العنصري الذي كان موجودًا في جنوب أفريقيا، فكلاهما كان موطنًا للفائض البشري الأبيض خارج القارة الأوروبية.
  • استعمار إحلالي وهو التوجه الذي انطلق لحظة إعلان قيام كيانها السياسي، إذ يقوم على استغلال الأرض دون أصحابها من خلال طردهم بتهجيرهم أو أبادتهم، وهي في هذا تشبه النشأة المبكرة للولايات المتحدة، وما اقترفته من جرائم في حق السكان الأصليين، أي إحلال شعب بدلًا عن شعب، وتاريخ بدلًا عن تاريخ، وثقافة بدلًا عن ثقافة.

وبذلك تجسد الصهيونية واجهة وأداة استعمارية لحل المعضلة اليهودية التي استعصت على الحل ورخيصة الكلفة بمنطق الاقتصادي وبانطلاق موجة التوسع الاستعماري شُرِع في استثمار الأيديولوجية الصهيونية وتحويلها إلى كيان عضوي في شكل دولة قادرة على ضمان المصالح الغربية في المنطقة الشرق الأوسط.

خبايا الدعم الغربي للاستعمار الصهيوني

إن الاستعمار الصهيوني لفلسطين هو ربيب للحضارة الغربية ونتاج لتناقضاتها وتعبير واضح عن غاياتها الاستغلالية، فلقد تشكل في إطار ميثاق وشراكة بين القوى الإمبريالية والحركة الصهيونية وبمقتضى عقد واضح بين الطرفين مبني على المنفعة المتبادلة.

ومما لاشك فيه أن هذا الدعم الغربي الذي سهل نجاحه ومهد الطريق لتحوله إلى كيان سياسي إسرائيل لم يكن اختياريًا، بل أمرًا مفروضًا حيث يصفه المفكر المصري الراحل جمال حمدان في كتابه فلسطين أولًا بما يلي:

إسرائيل نبت شيطاني يعيش في حاضنة زجاجية بل مسخ يتنفس في مناخ مفتعل… ويحيا على عمليات نقل دم… والاستعمار الغربي هو ذلك الطبيب الذي يقدم كل هذه الإسعافات مجانًا أحيانًا وبثمن بخس أغلب الأحيان.

وكظاهرة استعمارية استطاعت الصهيونية بمرونتها وانتهازيتها أن تواكب متغيرات العصر فمع انطلاق موجة الاستعمار الجديد غير المباشر بعد استقلال بلدان المعمورة شكلًا أعاد قادتها صياغة توجهاتهم وتعديل هياكل من جديد لركوب على موجة التحولات العالمية مقدمين أنفسهم وكلاء وعملاء لأولياء نعمتهم.

وهكذا انتقلوا بين أحضان القوى الغربية لاعبين على حبال المتناقضات فما إن أفلت شمس بريطانيا وبزوغ قوة إمبريالية جديدة وهي الولايات المتحدة  حتى سارع قادة الصهيونية إلى تقديم فروض الولاء والتبعية حاصلين بذلك على مرادهم، يقول الرئيس الأمريكي ترومان في خطابه غداة إعلان قيام إسرائيل سنة 1948:

إننا نعترف بإسرائيل ونفخر بأننا كنا أول من مد لها يده… إننا نأخذ على عاتقنا مساعدتها وإنني أعاهد نفسي على شد أزر اسرائيل حتى تصبح بلدًا كبيرًا.

وهذا الدعم الحماسي، لا يمكن فهمه إلا بالرجوع إلى طبيعة الأدوار الموكولة للطرفين، ففي البدء كان كيان إسرائيل كلب حراسة للمصالح الإمبريالية في الشرق الأوسط؛ لكونه يفتقد لمقومات البقاء والنمو وسط محيط عدائي، أما حينما حصلت على مستلزمات البقاء خاصة بعد تفوقها النووي على جيرانها تحولت إلى بلطجي وقاطع طريق لا هم له إلا ابتزاز المستضعفين وقبض إتاوات الحماية.

ولقد كان لهذا انعكاس خطير على المنطقة أشبه ما يكون بظهور ورم خبيث في الجسد إذ أسهم ذلك في أحداث العديد من القلاقل والاضطرابات السياسية والاجتماعية، خاصة بعد إقدام الكيان على سياساته العدوانية التوسعية والتي تطلب صدها حصر موارد وعسكرية وبشرية واقتصادية هامة في بلدان الطوق كانت ستعود بالنفع لو جرى استثمارها في مشاريع تنموية حقيقية.

ومما لاشك فيه أن هذا الورم الخبيث الذي زرع عمدًا في قلب العالم العربي والإغداق عليه بالدعم العسكري والاقتصادي والسياسي، يكشف وجود نية مبيتة لمنع الاستقلال والتحرر الوطني في إطار توزيع للأدوار بين القوى الغربية والكيان الصهيوني، قاعدتها الاستعمارية الجديدة الذي بإمكانه ضمان مصالحها بأقل تكاليف الممكنة وهي الحقيقة التي يريد دعاة التطبيع إخفاءها، متناسين أن الورم الخبيث لا يمكن التعايش معه، فإما أن يسبب الهلاك، وإما التعجيل باستئصاله، وأولى خطوات ذلك تحصين الذاكرة التاريخية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

– جمال حمدان، فلسطين أولا…اسرائيل
– روجيه جارودي، محاكمة الصهيونية الاسرائيلية
– عبد الوهاب المسيري، الصهيونية و الحضارة الغربية
عرض التعليقات
تحميل المزيد