للبنادق رمزية شاعرية حينما ترتبط بالقضايا العادلة والنبيلة فليست أسلحة للقتال والصراع فحسب، بل رموزًا للكفاح والنضال من أجل المستقبل ومن أجل تقرير المصير وفرض الذات والإرادة، وأينما وجد الظلم والقهر ومتى ما تلبد الأفق بسواد اليأس، وللبنادق رجال حملوا هم قضاياهم واختاروا الكفاح مصيرًا والنضال قدرًا والمقاومة عقيدة، صلواتهم اشتباك وآذانهم لعيع البارود والرصاص، رجال قدموا حياتهم في سبيل نصرة قضية آمنوا بها واسترخصوا في سبيلها الغالي والنفيس وفضلوا التضحية بوجودهم الجسدي الفاني في سبيل الشهادة والخلود الأزلي.

على تراب فلسطين أرض الزعتر والزيتون أرض السلام والتعايش، امتزجت دماء الأبطال والشهداء من كل الطوائف والأديان والمعتقدات، جمع بينهم الإيمان بعدالة القضية الفلسطينية ورمزيتها باعتبارها أيقونة للنضال من أجل التحرر الوطني ومقاومة الإمبريالية والاستعمار.

مناضلون سطروا بدمائهم صفحات مشرقة ومنيرة في التاريخ وملهمة للأجيال الصاعدة، منهم من كتب له الشهرة ومنهم من ظل مغمورًا لا يعرف عنه شيء إما عمدًا وإما سهوًا، ولأن للتاريخ ذاكرة تأبى النسيان سنغوص معًا في أعماقه للاحتفاء برموز خالدة ارتبطت بالقضية الفلسطينية آمنت بعدالتها واختارت رفقة البنادق  للكفاح في سبيلها.

وحدن بيبقوا قصة الفدائيين الثلاثة

خلقت أكتاف الرجال لحمل البنادق فإما عظماء فوق الأرض أو عظماء في جوفها.   *غسان الكنفاني

في غمرة المد القومي وتنامي موجة الكفاح والنظال ضد الاستعمار والهيمنة الاجنبية والاستغلال التي اجتاحت العالم العربي خلال النصف الأول من القرن العشرين، شكلت القضية الفلسطينية أحد تجليات الوعي القومي العربي بوحدة المصير وتجسيدًا للتضامن والتآزر بين مكونات الأمة العربية، فلقد كان لجرح نكبة فلسطين وصدمة ضياعها وقع كبير على نفسية الأمة العربية، فكانت ميدانًا تآزرت فيه تيارات وحركات الكفاح العربي بمختلف تلوينتها الأديولوجية والمذهبية من الإسلام السياسي فالقوميين واليساريين والشيوعيين، ولم تكن حرب 1948 إلا شهادة ميلاد للانطلاق على اعتبار وجود دور مهم للمتطوعين العرب في المقاومة ضد الوجود الصهيوني والاستعمار البريطاني منذ ما قبل ذلك ومن أشهرهم الشيخ السوري عز الدين القسام.

غير أن الحماسة العربية لم يشتد وطيسها إلا بعد ذلك التاريخ المذكور، حين ذاعت أنباء المذابح الصهيونية بحق الشعب الفلسطيني في كل أرجاء العالم العربي، لتتوطد تلك الروح الحماسية مع انبعاث أنظمة تحررية في العالم العربي خاصة مصر، مولدة بذلك روحًا تضامنية بين العرب واتسقت مع انتصارات ثورات التحرير في العالم في كوبا والجزائر، حينها تمازجت أماني الكفاح من أجل الاستقلال والتحرر بهموم الشعب الفلسطيني والرغبة في الثأر مما تعرض له من تنكيل وتقتيل وتشريد ليبدأ الحديث حينها عن ضرورة المقاومة المسلحة وتشكيل التنظيمات العسكرية لتحرير فلسطين وجمع شتات المتطوعين العرب،  فصارت شعارات تحرير فلسطين مادة خطابية في أدبيات التيارات والأحزاب والأنظمة السياسية في جل الأقطار العربية وألهمت ملاحمها النضالية الفن والأدب العربي. 

اعتاد الشاعر طلال حيدر على الجلوس في شرفته المطلة على غابة لارتشاف القهوة، وكان دومًا يلاحظ دخول ثلاث شبان صباحًا إلى تلك الغابة ولا يعودون منها إلا مساءً، فمرت مدة على تلك الحال إلى أن توطدت العلاقة بينهم فصاروا كل ما مروا بقرب منزله يلقون عليه التحية، واستمر الوضع على هذا المنوال إلى أن تفاجأ يومًا بعدم عودتهم مساءً بعدما ألقوا تحيتهم الصباحية عليه.

وحينها ساوره الشك والقلق عليهم فبدأ يستفسر عنهم حتى أصابه اليأس وفي أحد الأيام أتاه خبر استشهاد ثلاثة شبان منتمين للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين القيادة العامة بعد تنفيذهم عملية فدائية شمال فلسطين في مستوطنة كريات شمون في 11 أبريل (نيسان) 1974، وحينما طالع صورهم صدم بكونهم الشبان الذين اعتاد تحيتهم  وهم منير المغربي (أبو خالد)، والحلبي السوري أحمد الشيخ محمود، والعراقي ياسين موسى فزاع الحوزاني (أبو هادي) فكتب بعدها قصيدته الشهيرة التي غنتها فيروز تخليدًا لذكراهم

وحدن بيبقو متل زهر البيلسان
وحدهن بيقطفو وراق الزمان
بيسكروا الغابي
بيضلهن متل الشتي يدقوا على بوابي
على بوابي
يا زمان
يا عشب داشر فوق هالحيطان
ضويت ورد الليل عكتابي
برج الحمام مسور وعالي
هج الحمام بقيت لحالي لحالي
يا ناطرين التلج ما عاد بدكن ترجعوا
صرخ عليهن بالشتي يا ديب بلكي بيسمعوا
وحدن بيبقوا متل هالغيم العتيق
وحدهن وجوهن وعتم الطريق
عم يقطعوا الغابي
وبإيدهن متل الشتي يدقوا البكي وهني على بوابي

وللأجانب نصيب: المقاتلون الأمميون في سبيل فلسطين

لم تنل القضية الفلسطينية الاهتمام والتعاطف العالمي معها إلا مع بدايات النصف الثاني من القرن العشرين، مع اندحار الاستعمار ووصول أنظمة ثورية للحكم للسلطة في عدة بلدان من العالم الثالث، وانتشار أفكار الاشتراكية والقومية والتحرر الوطني، لتتصاعد بذلك موجة التعاطف والتضامن العالمي حتى في الغرب مع نضالات الشعوب ضد الهيمنة الاستعمارية بعد انكشاف جرائمها البشعة وفي مقدمتها كفاح الشعب الفلسطيني بعد انجلاء هالة المظلومية، التي ارتبطت بالخطاب الصهيوني وانكشاف حقيقته كجزء من المنظومة الاستعمارية الغربية.

فلقد سجل التاريخ بطولات خالدة في مسيرة الكفاح الفلسطيني خاضها مقاتلون في مقتبل العمر من بلدان متقدمة من اليابان شرقًا إلى أروبا غربًا، فما الذي دفع هؤلاء إلى التضحية بأرواحهم والارتماء في حضن الكفاح المسلح والدفاع عن قضايا بعيدة عن واقعهم المعيشي وحياتهم اليومية؟

والجواب ببساطة أن ذلك راجع إلى انبعاث الخطاب اليساري الجديد في الأوساط الطلابية بالغرب، حيث كشف حقيقة الاستعمار الغربي وجرائمه التاريخية ورسخ القناعات بأهمية النضال الأممي العابر للقارات للتصدي له، وأجج روح التضامن مع القضايا العادلة في العالم، ومن جهة أخرى لعب الطلبة العرب دورًا مهمًا في التعريف بالمآسي والمظالم التي تعرض لها الشعب الفلسطيني في البلدان الغربية، فتحولت القضية الفلسطينية إلى مركز استقطاب للدعم والتضامن العالمي لم يقتصر فقط على جمع التبرعات بل امتد للحشد المتطوعين للانضمام للكتائب المقاومة الفلسطينية.

ومن أشهر الخالدين في سجلات النضال الفلسطيني فرانز فونتانا الإيطالي المعروف باسم جوزيف إبراهيم المنحدر من بولونيا الإيطالية، انضم لصفوف المقاومة الشعبية في سبعينيات القرن الماضي، وشارك في عدة عمليات عسكرية حيث كان متخصصًا في قصف الكاتيوشا ثم اعتنق الإسلام وعندما توفي سنة 2015 وجدوا له وصية بدفنه في فلسطين وإن تعذر ذلك طلب دفنه في إحدى مخيمات شتات الفلسطينيين وهو ما حصل حيث جرى دفنه في مقبرة شهداء مخيم شاتيلا بلبنان.

وفي نفس المقبرة دفن أعضاء الجيش الأحمر الياباني ومنفذو عملية مطار اللد عام 1972 وهم تسويوشي اوكودايرا باسم ويايسويكي ياسودا صلاح بينما لايزال ثالثهم حيا وهو اوكاماتو حيث نجى من تلك العملية ثم اطلق سراحه بعد ذلك في اطار عملية تبادل أسرى عام 1985 وهو يعيش حاليا في مخيمات لبنان.

ومن ألمانيا جاء مناضلوا الجيش الأحمر الألماني أو ما يعرف بادر ماينهوف وأبرز أعضائها أولريكا ماينهوف التي ساهمت مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بخطف عدد من الطائرات في أروبا للمطالبة باطلاق سراح الاسرى الفلسطيينين.

ومن فنزويلا جاء المناضل الأممي اليتش راميريز سانشيز الملقب بكارلوس الثعلب الذي ساهم بدوره في عدة عمليات خطف عبر العالم لدعم المقاومة الفلسطينية ثم اعتقل ونقل الى فرنسا لقضاء حكم المؤبد في حقه ولا يزال معتقلا فيها حتى اليوم.

ومن مشارق الارض ومغاربها وفي الزمن الجميل زمن النضال والكفاح النبيل،  كانت القضية الفلسطينية مركز اهتمام للشرفاء والنبلاء مجسدة ميدانا للصراع بين الخير والشر وبين العدل والظلم وللقيم الانسانية النبيلة حيث تهون التضحية بالروح والجسد في سبيل نصرة المستضعفين، واليوم خفت بريق الكفاح الفلسطيني وتحول إلى عبء ينبغي تصفيته  و التخلص منه لينحرف المسار نحو الهرولة للتطبيع مع الغاصب والمحتل والتفريط في الحق المشروع   بعد أن ظلت الشعارات إلى حدود الوقت القريب لا صلح ولا اعتراف ولا تفاوض .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد