أكثر من 150 ألف ضحيّة في الحرب الأهليّة اللبنانيّة، لماذا؟

تبلغ مساحة لبنان 10500 كم مربّع، وهو بذلك أصغر من تونس بحوالي 15 مرّة.

الانتشار السّريع للإسلام بلبنان لم يمنع المسيحيين الموارنة من التّمتّع بشبه استقلال، بعد أن ربطت علاقة تاريخيّة المسيحيين الموارنة بفرنسا، هذه العلاقة هيّ التي برّرت بها فرنسا تدخّلها في لبنان سنة 1860 بعد مواجهات طائفيّة، بذلك أصبح جبل لبنان محميّة فرنسيّة داخل الدّولة العثمانيّة.

ناضل ضدّ الوجود الفرنسي كلّ من السنّة والشيعة والدّروز وغيرهم عدا المارونيين، حتّى تمّ إعلان استقلال لبنان سنة 1926 مع انسحاب كامل للقوّات الفرنسيّة سنة 1943.

صدر الميثاق الوطني سنة 1943، وهو اتّفاق شفويّ بين بشارة الخوري من الطّائفة المسيحيّة المارونيّة ورياض الصّلح باسم المسلمين، ونصّ الاتفاق في أهمّ بنوده على:

ـــ تخلّي المسيحيين عن الحماية الفرنسيّة مقابل تنازل المسلمين عن طلب الوحدة مع أيّ دولة عربيّة، خاصة سوريا.

ـــ وجوب أن يكون رئيس الدّولة مسيحيًا مارونيًا ورئيس الوزراء، مسلمًا سنّيًا، ورئيس البرلمان مسلمًا شيعيًا، ونائب رئيس البرلمان ونائب رئيس الوزراء أرثوذوكسيًا.

بهذه المحاصصة الطّائفيّة قامت دولة لبنان منطلقة بذلك بأسس هشّة تهدّد الوحدة الوطنيّة في أي وقت.

سنة 1948 استقبل لبنان 140 ألف لاجئ فلسطيني مهجّر من الأراضي العربيّة المحتلّة، حيث أقاموا في مخيّمات دون حقوق مدنيّة وسياسيّة وتحت حراسة مشدّدة. كان ذلك بطلب من المسيحيين خشية اختلال التوازن الديموغرافي داخل البلد لصالح المسلمين.

سنة 1965 أطلق الفلسطينيون الرّصاصة الأولى ضدّ الاحتلال وحينها بدأ الحضور العسكري الفدائي بالبلد، وبذلك تحوّل الفلسطينيون إلى قوّة مؤثّرة داخل لبنان.

انقسم لبنان إلى قسمين:

ـــ قسم إسلامي وقومي ويساري مؤيّد للثورة الفلسطينيّة.

ـــ قسم ماروني مدعوم بالجيش ومعادٍ للثورة الفلسطينيّة.

سنة 1970 دخل 400 ألف لاجئ فلسطيني لبنان هروبًا من الأردن بعد أحداث أيلول الأسود.

قاد الزّعيم الماروني كميل شمعون حملة تدعو إلى طرد الفلسطينيين من لبنان بكلّ الوسائل المتاحة.

سنة 1975 اندلعت الحرب الأهليّة؛ حيث أعلنت القوى الإسلاميّة والتّقدّمية الحرب على الكتائب المارونيّة وألحقوا بها هزائم فادحة مكّنتهم من السيطرة على حوالي 80 بالمائة من لبنان، لكن التدخّل السّوري إلى جانب المسيحيين قلب الكفّة لصالح المارونيين. وقد ارتكبت الوحدات السوريّة مجازر في حقّ الفلسطينيين بمخيّم تل الزّعتر.

برز في هذه الحرب الزّعيم الوطني كمال جنبلاط زعيم الحزب الاشتراكي التقدّمي، الذي تمّ اغتياله سنة 1977.

ظهرت في لبنان مليشيات مسلّحة، فيها التابع لقوى محليّة، وفيها التابع لقوى عربية وعالميّة.تدخّلت «إسرائيل» لإذكاء نار الفتنة بين المليشيات وذلك بإشعال فتيل حروب عبثيّة عكست دهاء العدوّ وخبثه.

سنة 1978 تدخّلت «إسرائيل» في جنوب لبنان ونصّبت العميد سعد الحداد حارسًا للشريط الحدودي مهمّته منع الفدائيين من التسلّل إلى فلسطين.

انقسمت جغرافية لبنان إلى مناطق تحتلّها طوائف على النّحو التّالي:

ـــ المسيحيون: 45 بالمائة من السكان ويقيمون خاصة في بيروت الشرقيّة وقرى البقاع الغربي وزحلة وجزين.

ـــ الشيعة: 28 بالمائة من السّكان ويقيمون في جنوب لبنان وبيروت الغربيّة.

ـــ السنّة: 19 بالمائة من السكان وهم موجودون في طرابلس وبيروت الغربية وصيدا وإقليم الخروب وبعلبك.

ـــ الدّروز: 8 بالمائة وهم موجودون في منطقة الشّوف وجبال الباروك.

يعتنق الدّروز مذهبًا أسّسه خليفة فاطمي ثم نشره الدّرازي الباحث عن توحيد كل الدّيانات وضمّ تعاليم الإسلام إلى الفلسفة اليونانيّة مع الإيمان بتناسخ الأرواح.

ينقسم ولاء القوى اللبنانية بين سوريا والعراق وليبيا والسعوديّة وإيران وأمريكا وفرنسا و«إسرائيل»… إلخ.

سنة 1982 احتلّت «إسرائيل» جنوب لبنان وحاصرت بيروت الغربيّة بهدف طرد الفلسطينيين وتجريدهم من سلاحهم، وكان لهم ذلك؛ حيث غادر الفلسطينيون إلى تونس والجزائر واليمن.

ارتكبت الكتائب المسيحيّة المدعومة من «إسرائيل» مجزرة صبرا وشاتيلا، والتي ذهب ضحيتها أكثر من 3000 شهيد فلسطيني.

في ظلّ هذا الوضع المتأزّم أرسلت إيران الآلاف من حراس الثورة إلى جنوب لبنان لدعم الشيعة هناك في مواجهتهم «لإسرائيل».

ظهر حزب الله حركة مقاومة وطنية وبديلاً عن حركة أمل نبيه برّى التّى تورّطت في قتل الفلسطينيين وفي الدّعوة إلى تهجيرهم من لبنان.

سنة 1983 ظهرت العمليات الانتحاريّة النوعيّة التي أربكت أكثر من محتلّ للبلد، تفجير السفارة الأمريكيّة ببيروت أدّى إلى مقتل 80 فردًا، وتفجير السفارة الفرنسية أدّى إلى مقتل 246 جنديًّا أمريكيًّا و58 جنديًّا فرنسيًّا، التفجيران تمّا في وقت متزامن وبتبنٍّ من تنظيم الجهاد الإسلامى ذي الصلة الكبيرة بإيران.

سنة 1982 اشتبك الدّروز مع الموارنة وتدخّلت البحريّة الأمريكية لمساندة الموارنة بقصف مواقع الدّروز بمنطقة الشّوف.

سنة 1983 ظهر انشقاق داخل حركة فتح قاده العقيد أبو موسى ووصل حدّ المواجهة المسلّحة بين أخوة النّضال.

سنة 1985 ظهر انشقاق في الطائفة المسيحيّة يقوده سمير جعجع ضدّ الرئيس الجميّل تطوّر إلى مواجهة مسلّحة.

سنة 1986 قاتلت حركة أمل نبيه برّى كلاً من المرابطين وعددًا من المليشيات الشيوعيّة والمسيحيّة والدّرزيّة نتيجة خلافات لا ترتقي إلى مستوى اللجوء إلى السلاح.

حاصرت مليشيات أمل نبيه برّى الفلسطينيين وارتكبت في حقّهم مجازر في مخيّمات الراشديّة وصبرا وشاتيلا والرحابنة.

سنة 1987 اندلع قتال عنيف بين حركة أمل والحزب الاشتراكي التّقدّمي أدّى إلى سقوط أكثر من 200 قتيل. حينها قرّرت سوريا التّدخّل ب 7000 جندي ببيروت الغربية وسط امتعاض حزب الله ومنظمة التحرير الفلسطينية وعدد من الميليشيات المسيحيّة، دخلت القوات السورية تحت قيادة الرّائد سامي الخطيب، وبمسمّى قوات الرّدع العربيّة دخلت حركة أمل في صراع مسلّح مع حزب الله بغرض منع الحزب من مهاجمة «إسرائيل» بحجّة أنّه «ليس في وسع اللبناني تحمّل عبء مواجهة «إسرائيل» وحده نيابة عن أكثر من 200 مليون عربي ومليار مسلم».

سنة 1988 نشبت معارك طاحنة بين أمل وحزب الله بالجنوب اللبناني والضاحية الجنوبيّة، بعدها كانت هدنة قصيرة ليعود الاقتتال الشيعي- الشيعي والذي كاد أن يهتزّ به الحلف السّوري الإيراني باعتبار مناصرة كلّ منهما لفصيل.

تنامت قوّة حزب الله بشكل كبير شعبيًّا وعسكريًّا وإعلاميًّا وإداريًّا، إيران تمنح للحزب شهريًّا حوالي 12 مليون دولار، قاد الحزب حرب استنزاف بطوليّة مع العدو انتهت بانسحابه المذلّ وعملائه بالجنوب.

……………………………….

كتبت هذا الفصل من تاريخ لبنان لاعتقادي بأن لبنان وطن عربيّ صغير، والوطن العربي لبنان كبير.

ما جرى في لبنان شبيه جدًا بما يجري اليوم في أكثر من بلد عربيّ لم يقرأ قادته التّاريخ ولم يقيّموا جيّدًا حقيقة ما يدور حولهم.

في عاصمة عربية التقيت ديبلوماسيّا كان قد قاتل في شبابه مع قوّات بلده في جنوب لبنان في أواخر السّبعينات وأوّل الثمانينات، ذكر مهازل تشتّت القيادات والانفلاتات التنظيميّة الخطيرة وسوء التسيير والتنظيم والتّقدير، وكذا الفساد الإداري والمالي؛ ممّا سهّل الاختراقات المخابراتية للعدوّ داخل هذه القوّات.

لقد ارتكب شارون خطأ فادحًا حين أخرج الفلسطينيين من لبنان؛ لأنه لم يضع في حسبانه أنه سيجد نفسه بعد سنوات في مواجهة حزب موحّد شديد الانضباط وصعب المراس والاختراق، وذي معنويات عالية وعقيدة قتاليّة صلبة.

في كلّ مواجهة مع «إسرائيل» تسقط المقاتلات «الإسرائيلية» عددًا قليلاً من طائرات الميغ السوريّة ليعلن بعدها وقفًا لإطلاق النّار وخروجًا مبكّرًا من المعركة بحجّة عدم تكافؤ القوى وخوفًا على سوريا من التّدمير.

اليوم تدمّر سوريا في فتنة كان بالإمكان تجنّبها وتحويل الرّمي إلى عدوّنا المشترك، وبذلك نتجنّب شرّ نيران المفروض أن تكون صديقة.

الشّباب الذين يقاتلون اليوم في الشّام يغادرون بلدانهم بحجّة تحرير القدس وهروبًا من جحيم دولهم «بطالة ويأس» ليقعوا في أجندات دوليّة معقّدة، كان من الممكن تجنّبها اعتمادًا على نظام سياسيّ حضاريّ متطوّر يجيد التعامل مع الخارج ويتفاعل إيجابيًّا مع الدّاخل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تاريخ
عرض التعليقات
تحميل المزيد