في صباح يوم ما كنت أتفحص روايات ر في أحد معارض الكتب، وأخبر رفيقتى بأننى أودّ القراءة لديستوفسكى، ولكني سمعت بأن من يقرأ لديستوفسكى يجب أن يكون قارئًا مخضرمًا، ولا أعتقد أنني وصلت لتلك الدرجة بعد، في الجوار يبدو أن أحدهم كان يستمع؛ لأنه أبدى رأيه دون أن نسأله “هذا ليس صحيحًا، حاولي أن تبدئي بشيء يسير، مثل (الفقراء)”، أخبرته بأننى لم أستمتع بقراءة الأدب الروسي عندما حاولت ذلك، كان رده (ربما الترجمات تكون سيئة)، تساءلت إلى أي حد قد تؤثر الترجمة في نقل جمال الأدب إلينا، ذكرني ذلك بأحد أقوال غابريال غارسيا ماركيز عن الترجمة يقول “الترجمة الجيدة هي دائمًا إعادة خلق للنصوص في لغة أخرى”، قرأت ذلك في حوار لغابريل) مترجم على مدونة معطف فوق سرير العالم.


معطف فوق سرير العالم، هي مدونة أنشأها مترجم يمنى يدعى محمد الضبع، يقول عن مدونته “هي محاولة لنشل اللغة من جيوب الغرباء، أترجم هنا كل أسبوع مقالة وقصيدة للحفاظ على لياقة الحياة”، أكثر ما يثير الإعجاب هو ذائقة المترجم الجميلة، انتقاء رائع لمقالات بالغة الجمال، وقدرته على نقل هذا الجمال في ترجماته إلينا، في بعض الأحيان أجد نفسي أبحث عن شيء جميل لأقرأه، شيء يبعد عنى التفكير في سوء العالم وبشاعته قليلًا، فأجد نفسى ألجأ إلى تلك المدونة.


عندما تقرأ كلامه عن الترجمة، ستكتشف من أين تأتي تلك الذائقة الرائعة والترجمات المليئة بالشغف، يقول “الترجمة بالنسبة لى هي حالة مرهفة ومتقدمة من الإصغاء، من التقدير الشديد لكل أدب جميل تمت كتابته وهو متعة محضة، ورحلات لا تنتهى من الشخوص والكتاب والأبطال، الشعر قادني إلى الترجمة، وأظنني أقدمت عليها لأنني أريد أن أختبر العديد من الأشياء، وأجيب عن العديد من الأسئلة المتعلقة بالأدب، فكل نص أشبه برحلة إلى الفضاء الخارجي، فرحلة تفشل وأخرى تستمر بالانطلاق بشكل مذهل، وأنا أقف وأراقب كل هذا عن كثب وأستمتع بالمناظر أولًا، ثم أتعلَّم، وأستمر في التعلم، وبالتأكيد فإن الكتابة بالنسبة لى هي عملية مستمرة ستصقلها الترجمة، وتجعلها أكثر قربًا من المركز، مركز المعنى أو مركز الحياة أيًا كان الاسم الذي تحب إطلاقه على كل ما هو حقيقي وخالد”.


في عام ٢٠١٥ أصدرت الدار العربية للعلوم كتاب (اخرج في موعد مع فتاة تحب الكتابة) هو عبارة عن مجموعة من المقالات والحوارات المترجمة في (معطف فوق سرير العالم)، في الواقع عنوان هذا الكتاب هو عنوان مقال مترجم على المدونة ويحتويه الكتاب، هو من أكثر المقالات جمالًا على المدونة، يبدأه الكاتب بـ(اخرج في موعد مع فتاة تحب الكتابة، اخرج في موعد مع فتاة لم يسبق لك أن رأيتها في ملابس نظيفة تمامًا، بسبب قهوتها التي تحملها معها دائمًا، وبسبب بقع حبر قلمها، هذه الفتاة لديها مشاكل دائمة في ترتيب غرفتها، وجهازها المحمول ليس مملًا على الإطلاق لأن داخله كلمات كثيرة، وعوالم كثيرة تتحرك أمامها، تقرأ في شاشتها صفحات مليئة بالغرابة، وترى في الأسفل أيقونة أغنية مشهورة، وهي ترقص في أذنها، تراقبها، وهي تقرأ عن تاريخ كاثرين العظيمة، وعن خلود قناديل البحر، تضحك بشدة حين تخبرك أنها نسيت تنظيف غرفتها، وملابسها مبعثرة حول أغلفة الكتب، وتعتذر منك وتخبرك أنها تحتاج وقتًا أطول لتنزل إليك، وإن حذاءها مخبأ أسفل جبل من الأقلام المكسورة التي كانت تحتفظ بها منذ أن كان عمرها اثنا عشر عامًا) المقال أطول من ذلك بكثير، وهذه ليست إلا المقدمة، فإذا أردت إكمالها فعليك بزيارة ذلك العالم المليء بالكلمات الجميلة.


في أحد المقالات على المدونة بعنوان (بلاد عجائب الكتب)، يتحدث المقال عن متجر للكتب في باريس، ويقول صاحب المتجر شيئًا أراه يمكن أن يقال عن تلك المدونة “كل الشخوص في متجر الكتب هذا خيالية، لذلك فضلًا اترك ذاتك اليومية خارج الباب عندما تدخل هذا المكان الذي يسميه (هنري ميلر) “بلاد عجائب الكتب”، لذلك كلما شعرت بالقبح ينتشر في عالمك فلتترك ذاتك اليومية خارج هذا المكان، ولتدخل فهي ترجمات تذكرك بأشياء جميلة لم تكن تراها حولك، تذكرك كما يقول (محمد الضبع)، بكل ما هو خالد وحقيقي.




هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد