كنتُ أقرأ كتاب المجَرَيات للدكتور إبراهيم السكران – فك الله أسره- أغلقت الكتاب قليلاً لأتابع المجَرَيات فتحت الفيس بوك، وإذا بخبر مجزرة الكيماوي في خان شيخون، علقت على الخبر بمنشور فحواه: نحن بالنسبة لهذا العالم لسنا ضحايا، ولا حتى بشر، نحن أرقام في إحصائيات فقط، ونحن عاجزون أيضًا لا نمتلك إلا أن نتزود بزاد بسيط للآخرة، عندما يأتي دورنا لنصبح رقمًا في مجزرة أخرى، قررت أنا وصديقي محمود الخروج لنهرب من الواقع الافتراضي، ذهبنا لصديقنا بائع العطور باسم لنشرب القهوة وكان عقدُ قرانِ محمود اليوم، جلسنا عند باسم وتبادلنا أطراف الحديث وإذا بصوت انفجار شديد خمس ثوان أو أقل وأصبحنا طريحين الأرض، إنها غارة طيران على السوق في مدينة سلقين التابعة لإدلب.

أُظلم المكان وأصبحنا عاجزين عن الحركة لكننا ما زلنا أحياء وبدأنا نقرأ ما نحفظه من الأذكار والقرآن، هل هي النهاية؟ كان كل شيء ينشدُ بالموت، الطوابق الأربعة المهدمة فوقنا وركامها، لكن كأي ثائر لم يكن هم الركام أثقل من هم القضية، وأصوات آليات الحفر فوقنا تنشد بالموت أيضًا، وخزان الماء انفجر وبدأ الماء يغطي المكان ويعلو منسوبه، هل سنموتُ غرقًا؟ لكن الماء لم يفعل ذلك، يبدو أنه الماءُ المذكور بسورة الأنفال: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ، فقد خففت المياه الغبار من الجو بشكل كبير وضخت الأوكسجين، وأعطت دفعة للحياة ثم تفرقت في جيوب الحطام.

كانت مساحة المكان كله 4 أمتار بارتفاع متر، وكنا ثلاثة أشخاص بعد 15 دقيقة تقريبًا من الانفجار أُغمينا، وبعد مدة أقدرها بنصف ساعة كنتُ أول المستيقظين أخٌ على يميني باسم وآخر على شمالي محمود، بدأت أنادي لهم، باسم باسم، محمود محمود، ولا جواب باسم كان يتمتم «يا الله يا الله»، ثم تحركت أعضاؤه بشكل غريب وسريع، قلت له اهدأ يا باسم اهدأ وانطق الشهادتين، لكن باسم بقي يتمتم ب يا الله يا الله، ثم هدأ إلى الأبد، فلقد استشهد، فلقد كانت تلك الحركات الغريبة هي سكرات الموت، والأخ الثاني محمود كان يتمم أيضًا بالأذكار ثم استيقظ، وبدأنا التحدث، قلتُ له ممازحًا: إن شاء الله اليوم سنعقد قرانك ولن نؤجل العقد إلى يوم آخر، فضحك وقال المهم أننا نخرج، قلت له سنخرج وسأفرح بيوم عرسك، ثم قطع الحديث صوت آلة الحفر الكومبريسا فوقنا، فقلت له «يبدو أنه فوق الموت عصت قبر» وضحكنا، ثم عدنا لقراءة الأذكار والقرآن الذي نحفظه.

كان محل العطر يحتوي على ما يقارب 400 لتر من العطر أو أكثر والمحل مدمرٌ بالكامل، فقد انفجر الصاروخ الارتجاجي بالقرب منه، لكن كل ذلك لم يغط رائحة الموت والأشلاء والدماء، بدأنا نسمع أصوات عناصر الدفاع المدني وبدأنا نناشدهم، ونخبرهم بمكاننا، بعد 4 ساعات ونصف بدأ خيط ضوءٍ يتسلل إلينا، لكن لا أدري هل كانت خمس ساعات أو أقل أو خمس سنين أو خمس ثوان أو جميعهم، لعلها خمس سنين عندما خفت؟! وخمس ثوانٍ عندما ناجيتُ الله وضحكت، هي مشيئة الله ثم إرادة الحياة مع تمني الموت، إنه الفرج، بدأ الضوء يكبر ويكبر وبدأت الشق بالحائط بالاتساع، حتى أصبح الشق يعْبُرُ منه شخص، وكأي إنسان يعيش هذه الظروف على هذه البلاد نفسيًا كان الخروج وعدمه متشابهًا دخل ضوء قوي صادر من خوذة أحد عناصر الدفاع المدني وقال اقتربوا من الشقِ لأنتشلكم، كان صديقي الأقرب للشق وبدأ المحاولة بالوصول، ونجح.

كنت أشاهد ذلك على ضوء الخوذة، ومباشرةً عندما خرج صديقي قلدته، ووصلت إلى الشق وبدأت في الخروج، عاد عناصر الدفاع لانتشالي وساعدوني في الخروج وقلت لهم ما زال هناك شخص ثالث لكنه غالبًا قد مات، تزاحمت الوجوه حولي سريعًا وأشعلوا أضواء كاميراتهم للتصوير، لقد عميتُ تقريبًا فبعد خمس ساعاتٍ من الظلام انهالت علي الأضواء، صَرخت بهم يكفي أنا لستُ سلعةً إعلامية يتفاعل معه القوم آخر الليل، ودفعت بيدي أجهزتهم وأضواءها عن عيوني، لقد دَفعتُ عددًا من الناس حتى وصولي إلى سيارة الإسعاف وصلت إلى المستشفى الميداني وبفحص سريع خرجت منه أنا وصديقي ولله الحمد معافين إلا من بعض الجروح والخدوش الطفيفة هنا وهناك، آتى الليل وشعرت بالذنب لما اقترفتُ من ذنبِ دفعِ الأخوة الذين كانوا يصورونني، وعدت إلى مكان تنفيذ الغارة كالمجرم الذي يعود إلى مكان جريمته، لكن لا أعلم إن كنتُ محقًا بما فعلت أو مذنبًا، هل نحن سلعة إعلامية أم أن التصوير أصبح موضة، وأين احترام خصوصية الإنسان، وكان عناصر الدفاع المدني والناس ما زالوا يستخرجون الجثث من تحت الأنقاض واعتذرتُ لهم وعانقتهم، لا أعلم مدى إجرام النظام؛ فسلقين أكبر مدينة في المناطق المحررة يوجد مؤيدون للنظام وتتراوح نسبتهم إلى أكثر من 60%، ونفذت الغارة في مكان يحتوي على سوق وجامع ومدرسة ومئات الطلاب كانوا في المدرسة، ولكن الله سلم وكانت الحصيلة 33 شهيدًا، مجزرة سلقين 04.04.2017.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد