(1)

أثارت ثقة السيسي في خطابه الأخير من قدرته على اتخاذ قرارات صعبة ضاغطة على الشعب دهشة كثير من المتابعين للشأن السياسي، خاصة حين أشار أنه يقدر على ما تراجع عنه السادات ومبارك من بعده، وتساءل «د. محمود سلطان» على سبيل المثال متعجبًا في مقال في جريدة «المصريون» يوم 15 أغسطس (آب)بعنوان «هل السيسي أشجع من السادات؟»

 

وجاءت المقالة شارحة لأسباب هذا التعجب ومفصلة لها، ومنها أن السادات معروف بشجاعته في قرارات مصيرية مثل «عبور القناة» في حرب أكتوبر 73، ثم زيارته التاريخية لإسرائيل، وإبرامه اتفاقية «كامب ديفيد»، بعدها «الانفتاح الاقتصادي» وعودة الأحزاب. ويستطرد د. محمود متسائلًا: ما هي أسباب ثقة السيسي في قدرته على أن يكون أشجع من السادات ومبارك مثلًا؟ وما هو سند «الاستقواء» الذي يثق فيه، وفي قدرته على أن يحيله إلى الرئيس «غير المسبوق».

(2)

والحقيقة أن الإجابة عندي واضحة، ولعلي ابتديها بأسئلة كاشفة: وأين ذهب مئات الآلاف من أنصار الشرعية الذين كان يتظاهرون ضد السيسي وحكمه؟ قتل منهم الآلاف، وجرح وسجن عشرات الآلاف، لكن مازال مئات الآلاف منهم، لا قتلوا، ولا سجنوا، فأين ذهبوا، لماذا لم يعودوا للتظاهر أسبوعيا؟

(3)

ولماذا لم يخرج مئات الآلاف ـ ولا أقول ملايين ـ في مظاهرات منددة ببيع «تيران وصنافير»، مع أنها لو حدثت في عهد «المجلس العسكري» أو عهد الرئيس «مرسي» لخرج فيها ملايين.

(4)

ولماذا لم يخرج عشرات الآلاف من الصحفيين، وعمال الصحف، وأقربائهم، والمتعاطفين معهم، والقوى السياسية المؤيدة للديموقراطية، في مظاهرات عند اقتحام نقابة الصحفيين، مع أنها لو حدثت في عهد المجلس العسكري أو عهد الرئيس مرسي لخرج فيها مثل يوم الحشر؟

(5)

الإجابة ببساطة، هذا ما يفعله القمع والبطش الشديد بالناس، لا شك أن السادات أشجع، لكن السادات لم يكن يمتلك من الجرأة على البطش والقمع ما يجعله (يتصرف بالمعايير الحالية)، كان السادات ـ على كل أخطائه ـ وطنيًا؛ أوقف التعذيب في السجون، وقال: إنه مستعد أن يذهب إلى آخر العالم في مقابل ألا يجرح جندي واحد من «أولادي»، حتى عندما كان يستعين بالآلة القمعية الأمنية، فإن ذلك كان في حدود لا تقارن بالأوضاع الحالية.

(6)

هذا ما يفعله القمع والبطش الشديد بالناس، وما أدق ما قاله «الرافعي» ـ على انحيازه العام لمحمد علي ـ حين قال معقبًا على «مذبحة القلعة» بكلمات حق لها أن تكتب بماء الذهب «إن الفتك بالمماليك على هذه الصورة الرهيبة، كان له أثر عميق في حالة الشعب النفسية؛ لأن مذبحة القلعة أدخلت الرعب في قلوب الناس، وكان من نتائجها أن استولت الرهبة على القلوب، فلم يعد ممكنًا إلى زمن طويل أن تعود الشجاعة والطمأنينة إلى نفوس الناس، والشجاعة خلق عظيم تحرص عليه الأمم الطامحة إلى العلا، وهي قوام الأخلاق والفضائل القومية، فإذا فقد الشعب الشجاعة، وحلت الرهبة مكانها كان ذلك نذيرًا بانحلال الحياة القومية وفسادها، فالرهبة التي استولت على النفوس بعد مذبحة القلعة كان لها أثرها في إضعاف قوة الشعب الخلقية والمعنوية، وتلك خسارة قومية كبرى، فإنما الأمم أخلاق وفضائل، أضف إلى ذلك أن هذه الحادثة وقعت في وقت كانت فيه النفوس قد تطلعت إلى مراقبة ولاة الأمور، ودبت فيها روح الحياة والديموقراطية، وتعددت مظاهر هذه الروح من اجتماعات للشعب واحتجاجات على المظالم، فنحسب أن مذبحة القلعة قد قضت على هذه الروح إلى زمن طويل، وأحلت محلها روح الرهبة من الحكام، وغني عن البيان أنه مع ما أسداه «محمد علي» من خير للبلاد في خلال حكمه، فإنه لم يعوض على الشعب ما فقده من تلك الناحية الخلقية، ناحية الشجاعة الأدبية والروح الديموقراطية، تلك الروح التي هي من أركان عظمة الأمم ومن دعائم حياتها القومية»، هنا تكمن الإجابة يا أستاذي.

(7)

لذلك حق لكل باطش أن يكون شديد الثقة على المدى القريب ـ وربما على المدى المتوسط ـ فهذا ما يفعله البطش بالناس، ثم تكون «عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى» إن شاء الله، فالمد الشعبي مثل الموج، عندنا تنحسر الموجة يظن الرائي أن البحر هادئ، ثم تأتي ما بعدها أعلى منها! ولقد سار على هذا الطريق حكام كثر، بطشوا بطشتهم الكبرى، فلانت لهم شعوبهم عشرات السنوات، ثم قامت فأسقطتهم في النهاية: فـ«سوهارتو» في إندونسيا افتتح حكمه بقتل مئات الآلاف من الشيوعيين الإندونيسيين، فهمد الشعب طويلًا، ثم ثار بعد ثلاثين سنة فأسقط حكمه، والشيء نفسه حدث مع «بينوشيه» في شيلي، ومع «شاوشيسكو» في رومانيا، والأمثلة كثيرة، وربك بالمرصاد.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد