«لو حكينا يا حبيبي نبتدي منين الحكاية.. دا احنا قصة حبنا ليها أكتر من بداية»

بهذه الأبيات افتتح الشاعر الغنائي محمد حمزة قصيدته ليحكي فيها عن قصة حب بينه وبين حبيبه، ومرورها بتقلبات الدهر، وكفاحهما للاستمرار، رغم كل الصعوبات، لكن القصيدة لم تكن لتحظى بكل هذه الشهرة بدون أن تتحول إلى ملحمة غنائية من صنع الموسيقار محمد عبد الوهاب، وغناء الفنان عبد الحليم حافظ؛ لتصبح أكثر من مجرد أغنية أو حفلة، وتتحول إلى حالة من التأمل في الحياة، وبداية رحلة غامضة مع تصاعد ألحان (الأورج) المميز لمقدمة الأغنية، والذي يعدك بإلقاء حكاية جديرة بالسماع، خصوصًا بعدما يتبعه عزف ملحمي تصاعدي بالكمان، فيجد المستمع نفسه، بالرغم منه منتبهًا ويتوق لما هو آت، وهنا يتناغم الأورج مع الرق والكمان لبداية سرد الحكاية، ثم يدخل العود ليرقص القلب طربًا من سعادة اللحن.

هذا الإيقاع الأوركستري المنظم، والذي يتم فيه مزج فريد بين آلات موسيقية شرقية وغربية لم يكرره – على حد علمي – أحد عباقرة الموسيقى الغربية أو الشرقية مثلما فعل عبد الوهاب، وأيضًا بليغ حمدي، عمومًا فصنعة تلحين الأغاني وتوزيعها قديمة كانت تحتاج لحرفة عالية وموهبة فريدة لم يضعها الله إلا في أشخاص نادرة من خلقه، والمجهود المبذول في الأغنية التي تصل إلى خمسين دقيقة يضاهي مجهود عشرات الألبومات الغنائية الحديثة التي يمكن تأليف معظم ألحانها ببرنامج كمبيوتر إلكتروني لا يحتاج لفرقة موسيقية ماهرة متناغمة وموسيقار صافي الذهن رائق البال.

ولأن الحكايات الفريدة تختلف، فالأغنية تتشابك في ذاكرتي برحلة ليلية طويلة من مدينة الزقازيق للقاهرة أو أية رحلة ليلية طويلة لا تنتهي خصوصًا أنها تنجح في الانتقال بالمستمع في العديد من الحالات الشعورية متمثلة في كلماتها وألحانها فتارة تشعر بالشجن (وتسافر.. وأسافر وأيام يطول السفر وقلوبنا.. بتتقابل مع كل طلعة قمر)، وتارة تشعر بالأسى والضياع (وفي لحظة وقفنا وابتدا خوفنا ولقينا حوالينا.. الدنيا ضباب.. وليل وقلب جريح زي أوراق الشجر.. وقت الخريف.. رماها الريح)، ثم لا تلبث أن تجد الأمل يلوح في الأفق (سألنا روحنا ليه.. أكبر من حبنا.. إيه.. إيه لكن ماطلش الخوف بينا.. وعرفنا وشفنا وحسينا).

أما عن اللحن فالفواصل بين أجزاء الأغنية في ألحانها تجعلك أحيانا تريد أن ترقص رقصات كلاسيكية وقورة مع رفيق حياتك وكأنكما طائران في الأفق، وأحيانا تجد نفسك ترقص طربًا بلا حساب، بينما في مقاطع أخرى تصبح متأملًا للأفق في شرود مع غموض اللحن ومناجاته الخفية لمشاعر دفينة داخلك لم تعرف أصلًا أنها موجودة.

(واتبدد خوفنا من بعد وقوفنا وبدقة قلوبنا.. عرفنا إيه الدوا.. وعشنا الحب خيال وحقيقة سوا)، في نهاية الحكاية يطمئننا الشاعر أنه بعد لحظات الضياع والصراع ينتج الأمل في الغد، وهذا ما عرفه عن طريق قوة حبه مع حبيبه، والتي إن اختلفت صورتها عبر الأحبة فلابد وأن تكون موجودة لتجاوز الصعاب، فالبعض يظهر حبه بالحنان والطيبة، والآخر يظهره بالتفاهم والتسامح، وغيرهم يظهره بالعطاء بدون انتظار المقابل وهناك من يظهره بالإغداق في أقوال الغزل والعشق، وهذا أقل الدرجات.

(نبتدي منين الحكاية)، يكفي أن تقرأ الاسم لتتخيل كل مرة بداية جديدة وحكاية جديدة، ليست بالضرورة حكاية حب، لكنها قد تكون حكاية رحلة غامضة لا تنتهي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فن
عرض التعليقات
تحميل المزيد