التجربة خير بُرهان

لم يَنَل ستيفين هوكينج نوبل في الفيزياء حتى انقضى أجله، بالرغم من العمل العقلي الجبار المنشور في سبعينيات القرن الماضي، والمعروف باسم «إشعاع هوكينج»، الذي تنبأ فيه بأن الثقوب السوداء تُشِع طاقة. وللآن ليس لدينا وسيلة للتحقق من استنتاجات هوكينج بطريقة عملية. على أية حال، لا يتم اعتماد استنتاجات العلماء في عِلم أساسي كالفيزياء، مهما كانت كفاءة الرياضيات التي استخدموها، ومهما أبهرتنا أعمالهم العقلية، حتى يتم تحقيقها بالتجربة. وهذا أمر رهين بتطور أدواتنا في القياس، التي هي عماد التجربة العلمية؛ وهُنا المُشكلة، لأن ارتقاءنا في صناعة الأجهزة، وزيادة قُدراتها لا يُوازي التطور الفكري الهائل في بحوث الفيزياء، التي أداتها الرياضيات.

يشهد التاريخ أن أهم جهازين تم ابتكارهما، هما التيليسكوب والمايكروسكوب؛ ذلك أن العين البشرية لم تكُن قادرة على رؤية الصغير جدا، أو البعيد جدا، إلا بعد ابتكارهما. لقد رصد الإيطالي جاليليو جاليلاي Galileo Galilei بتلسكوبه في السابع من يناير عام 1610م، أقمارا تدور حول كوكب المُشترى؛ فكان ذلك إيذانا بعهد جديد في العلم، وبداية سقوط نظرية بطليموس Ptolemy عن مركزية الأرض في الكون. ويُشار إلى أن لجاليليو إسهاما هاما آخر في تاريخ العلم؛ ذلك أنه تأسيسا على ما وصل إليه من أعمال العلماء المسلمين، وعلى رأسهم الحسن ابن الهيثم، طوَّر جاليليو طريقة جديدة لكتابة الفيزياء بواسطة الرياضيات، وهي الطريقة التي نتبعها إلى يومنا هذا.

كذلك، انفتح على العالم دُنيا جديدة مُذهلة عندما نشر الإنجليزي روبِرت هووك Robert Hooke كتابه المُعنون «رسم العَالَم الصغير: المايكروجرافيا Microgrphia» عام 1665م، مُتضمنا رسوما تأخذ بالألباب لشكل عين ذبابة، وشعرة على ظهر قملة، وخلية نباتية، وغيرها مما لم يرَه أحد من قبل. وللتاريخ، لقد ساهم الهولندي أنطوني فان لِوْفِنهوك Antonie van leeuwenhoek أيضا في اختراع المايكروسكوب.

كذلك، تطورت قدراتنا على تقريب البعيد، فدرسنا الأغوار السحيقة في الكون، التي تُعبِّر بالطبع عن تاريخه؛ ذلك أنك حين تنظر إلى نجم على بُعد مليون سنة ضوئية مثلا (أي حوالي ثلاثين تريليون كيلومتر)، فأنت في الواقع ترصد حالته من مليون سنة.

كما أمكن للعلماء تقدير عمر مجرتنا بحوالي 12 مليار سنة، تأسيسا على فرضية أن قوانين الكون واحدة في أي مكان به، وأن الفضاء مُتجانس من حيث توزيع الكتلة، وذلك عن طريق حساب أعمار أقدم النجوم المرصودة فيها، وِفق احتراقها بالاندماج النووي. أيضا، من خلال قياس لمعان النجوم، ولونها، عرفنا أن الكون يتمدد، وأنه اليوم يتمدد عند أطرافه بسرعة أكبر، وبالتالي لو عكسنا هذا التمدد – نظريا – سنجد أن عُمر الكون يزيد قليلا على 13 مليار سنة.

بل لقد قام العلماء بدراسة توزيع درجة الحرارة في الفضاء بين النجوم والمجرات، المعروف باسم «خلفية الإشعاع الكوني قصير الموجة Cosmic microwave background»، بحيث أمكن معرفة حال الكون بعد ميلاده بالانفجار العظيم ببضعة مئات الألوف من السنين، حيث لم تكُن هناك نجوم أو مجرات قد تكونت بعد؛ ومن ثم قَدَّرْنا عمر الكون بدقة أكبر.

كما تطورت قدراتنا على قياس كل ما هو ضئيل. فالميكروسكوبات الإلكترونية بإمكانها اليوم تصوير الذرة منفردة، التي تتميز بقُطر في حدود جزء من 10 ملايين جزء من الملليمتر. وابتكرنا وسيلة تعتمد على دراسة تغيُّر نمط تكتل الضوء الناتج من مرور شعاع ليزر في ليفة ضوئية، لنتمكن من قياس الأطوال الموجية للضوء بدقة تصل إلى جزء من مائة ألف تريليون جزء من المتر (أجزاء من الأتومتر Attometer)، أي جزء من ألف جزء من سُمك البروتون.

حتى بالنسبة للزمن، ابتكر علماء ألمان عام 2016م وسيلة لقياس الزمن الضئيل الذي يحتاجه الإلكترون ليخرج من مداره بتأثير فوتون ضوئي (الظاهرة الكهروضوئية)، مُستخدمين شعاعيّ ليزر نبضيان، حيث تم قياس زمن الخروج ليجدوه بضع أجزاء من مائة ألف تريليون جزء من الثانية (أجزاء من الأتو ثانية Attoseconds). بل وقام علماء آخرون بتصميم مُحاكاة بالحاسب الآلي لقياس الزمن اللازم لإعادة ترتيب الجسيمات بالأنوية بعد الاندماج النووي، حيث تم تقديرها في حدود أجزاء من مائة مليون تريليون جزء من الثانية (أجزاء من الزيبتوثانية Zeptosecond).

قد نركن إلى تصورنا عن كونٍ يخضع للقوانين الفيزيائية ذاتها، سواء على المستوى الكبير أو الصغير، وسواء كنا نقيس الطول أو الزمن، أو أي كمية فيزيائية أخرى ونحن ندرس خصائص الكون. لكن الحقيقة، التي لا تذكُرها عادةً مناهج الفيزياء في الكتب المدرسية والجامعية، لها شأن آخر. الأمر الذي يجب معه فهم ما الذي يعنيه العلماء بالمصطلحات الثلاثة: عموم القوانين الفيزيائية Universality، التماثُل Similarity، والاختزال Reductionism.

العموم والتماثل والاختزال

أول «القوانين» التي وجدناها تنطبق في أي مكان وعلى أي حالة، أي تتصف بالعموم Universality، هي قانون الجاذبية لنيوتن. وبغض النظر عن قصة اكتشافه له، أو الرياضيات التي استخدمها، إلا أنه ثبت بالتجارب العلمية صحة القانون، سواء كُنا ندرس سقوط «التفاحة» على الأرض، أو دوران الأرض حول الشمس؛ كما عرفنا أن الجاذبية التي شكَّلَت الحياة على الأرض هي نفسها التي شكلت الكون كله منذ لحظة ظهوره للوجود.

ثم قدَّم أينشتاين فكرته عن الجاذبية باعتبار أنها خاصية للفضاء ذاته، أي خاصية تتعلق بالمكان والزمان؛ من ثم فإن المجال الجذبي بجوار كُتلة كبيرة سيؤدي إلى تباطؤ الزمن بمقدار تُمكننا معادلات النسبية العامة من حسابه. ولقد مررنا آنفا بمثال الأقمار الاصطناعية الخاصة بتحديد الموقع GPS. وبالطبع، أصبحت الجاذبية في ضوء النسبية العامة من القوانين العامة، بل وأمكن تطبيق مفاهيمها عن الزمان على مستوى عُمر الكون كله، بل وتطوره في المستقبل.

لكن، إن أردنا تطبيق مفاهيم الجاذبية على مستوى العالم الصغير، عالم الجزيئات والذرات والجُسيمات تحت الذرية، حيث الأطوال مُتناهية الصِّغَر، والأحداث تقع في أجزاء ضيلة جدا من الزمن، لن يصلُح لها قانون نيوتن ولا حتى النسبية العامة لأينشتاين، بل يُمكن فقط تطبيق مفاهيم ميكانيكا الكم. ولأن تعريف الزمن، وخصائصه، يختلفان بشكل كُلي في النسبية العامة عنه في ميكانيكا الكم؛ لذا، لم تنفع محاولات العلماء للآن للتوصل إلى دمج الفكرتين، في قانون عام للجاذبية الكمية Quantum gravity.

أما التماثُل Symmetry، الذي نعرفه في الأشكال الهندسية على سبيل المثال، يجعلنا نُدرك أننا لو قسَّمنا مُربع بشكل طولي أو عرضي، سنحصل على مستطيلين متماثلين، ولو قسمناه بشكل مائل، سنحصل على مُثلثين مُتماثلين، وهكذا. أو في حالة الدائرة، التي تُعتبر في الواقع أعلى تماثُلا، حيث يُمكن لفها حول محورها، دون أدنى تغيُّر في شكلها. هذا التماثُل موجود بصورة أعمق في الفيزياء؛ إذ أشارت عالمة الرياضيات الألمانية إيمي نِوتَر Emmy Noether عام 1915م إلى وجود خاصية عامة تتعلق بالتماثل Global symmetries، حيث يرتبط ببقاء قيمة فيزيائية (مثل الطاقة) بلا تغيُّر إن طبقنا قوانين الفيزياء في زمن ما، ثم درسناها في زمن آخر.

مع ذلك، كُسِرت قاعدة التماثُل عند دراسة القوة النووية الضعيفة، المسؤولة عن تحوُّل البروتونات إلى نيوترونات، وبالعكس. إذ في حين تخضع القوى الثلاث الأخرى في الطبيعة: القوة النووية القوية، والكهرومغناطيسية والجاذبية، لمفهوم تماثُل المرآة Mirror symmetry، بمعنى أن اليمين يُصبح يسار، وبالعكس، وهو المفهوم المعروف في الفيزياء باسم بقاء التكافؤ Parity conservation، لا تخضع القوة النووية الضعيفة لهذا المفهوم. وقد نال الباحثان لي Lee ويانْج Yang نوبل في الفيزياء عام 1957م عن اكتشافهم لاختلال التماثُل، الذي تم اثباته معمليا في تحلل البروتون. وها نحن مرة أخرى إزاء مشكلة في الفيزياء حين يتعلق الأمر بالعالم الصغير.

أخيرا، نأتي لفكرة الاختزال Reductionism. المعني بها أن خصائص الأشياء يُمكن اختزالها في خصائص مكوناتها، إلا أن هذا غير صحيح. خذ مثلا جُزيء الماء؛ إن أكواما من الدراسات الكيميائية والفيزيائية التي تتعلق بخصائصه معلومة منذ وقت طويل؛ مع ذلك فكمية من الماء تُصبح لها خاصية جديدة، البلل على سبيل المثال، وهي لم تنشأ من فهمنا لخصائص جُزيء الماء على أية حال، وإنما ظهرت عندما درسنا عدة تريليونات من جزيئات الماء معا.

ليس في الأمر سحر أو ما شابه، ونحن لسنا بحاجة لفيزياء جديدة لنفهم الصلة بين قوانين العالم الصغير والعالم الكبير؛ لكننا بحاجة لمزيد من الفيزياء، بمُقاربات ونظريات أكثر عُمقا كي نفهم بشكل أوضح كيف تنشأ خصائص جديدة كلما تعقد بناء نظام ما (مثل النظر إلى لتر الماء على أنه عدة تريليونات من جزيئات الماء). ولك أن تتخيل حجم المُشكلة إن بدأنا في السؤال عن الأنظمة الأكثر تعقيدا؛ كأن نسأل عن بزوغ الحياة من مكونات غير حية.

هكذا، يُمكننا القول إن اختيارنا للنظرية يتوقف على ما ندرسه، من حيث «الحجم» و»الزمن» و»الطاقة»…إلخ. على سبيل المثال، يمكن استخدام النسبية العامة طالما ندرس العالم الكبير، عالم المجرات والنجوم، الذي يتمدد فيه الزمن ويتقلص حسب السرعة والكتلة. في حين سنحتاج لمفاهيم الفيزياء النووية وميكانيكا الكم عندما ندرُس النشاط الإشعاعي.

صحيح أن الفيزياء النووية منذ ثلاثينيات القرن الماضي قامت على أساس فهمنا لتكوُّن النواة من النيوترونات والبروتونات، ثم تطور فهمنا في ستينيات القرن الماضي، عندما عرفنا أن البروتون يتكون من ثلاثة جُسيمات، تُعرف إجمالا باسم الكواركات Quarks، إلا أننا لم نكن بحاجة لتغيير النظريات المعروفة في الموضوع. على أية حال، أنت حين تستدعي من يُصلح لك أحد الأجهزة المنزلية، ليس بالضرورة أن يقوم بإصلاحها بناءً على إدراكه بأنها تتكون من كواركات وإلكترونات. الخلاصة إذن، أن مفهوم «العموم» و»الاختزال» محدودين، ومفهوم «التماثُل» له استثناءات.

خاتمة

إذن، كل منا، أيا كانت اهتماماته أو تخصصه، سيجد بطريقة أو أخرى، سببا لقيمة هذا العلم الأساسي، الفيزياء، في حياتنا اليومية، وفي طموحاتنا المستقبلية، بل وفي الأحلام، التي تبدوا اليوم ضربا من الأوهام، كالسفر للمستقبل أو الماضي. وبالرغم من الصعوبات التي تُشكِّل عقبة في سبيل الفهم الكامل، كإتقان الرياضيات على سبيل المثال؛ إلا أن ذلك لا يمنع مُطلقا من إمكان استيعاب موضوعات الفيزياء بشكل عام؛ استيعابا يجعلك على جبهة العلم في القرن الحادي والعشرين، تعرف ما الذي عرفناه للآن، وما الذي بقي مجهولا ويتعين علينا أن نُكافِح لنعرفه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد