إن من وظائفك أن تقرأ وأن تعرف ماذا تقرأ، وإن لم تفعل فقد فرطت في واجب. أحمد الزيات

هذه التدوينة ليست للحديث عن أهمية القراءة وبيان مدى ضرورتها وحاجتها لنضهة الأمم ورقي المجتمعات. فنحن لن نزيد البحر إلا قطرة ماء؛ إذ تزيد التدوينات، والمقالات، والأبحاث، والدراسات والندوات عن ألفِ ألفٍ يتحدثون في ذات الموضوع ويبحثون الأمر نفسه.
القراءة: عملية تعلُّم واكتساب معرفة، تنميةٌ لملكات العقل وتوسيعٌ لمداركه. ولتحصيل هذه الفوائد لا يُكتفَى فقط بالقراءة ذاتها دون أمرٍ آخر. أستعرض في هذه التدوينة أمورًا أعتقد بأنها مساعدة ومعينة على إنجاز قراءة نافعة، وقد اكتسبتها من تجربتي في القراءة ورحلتي مع الكتاب. ولا أدَّعي أو أقول بأنها الوحيدة أو ينحصر الأمر بها، إنما أقول هذه تجربتي وهذا ما تعلمته منها.

  • اِتخذ لنفسك دفترًا

الدفتر للقارئ كالدم للجسد، يتغذّى الدم على الجسد ويموت بدونه. كذا الدفتر؛ يتغذّى القارئ عليه بما يملأه من أفكارٍ ومعلومات جديدة، أو مسائل وآراء للمناقشة والنقد، أوقولٌ جميل ولفظٌ حسن. والأهم من هذا أننا حين نقرأ تعرض لنا الكثير من الأفكار والتصورات والآراء في الموضوع الذي نقرأ فإن لم نسارع بكتابتها وحفظها ذهبت وربما لا تعود مرةً أخرى. وقد تكون هذه الأفكار موضوع كتاب أو مقال، أو رأيًا جديدًا في مسألةٍ ما وربما حلاً لمعضلة. ومجمل القول: فإن المنفعة المُتحصِّلة للقارئ المتخذ لنفسه دفترًا تزيد بأضعاف عن آخر لم يتخذ.

  • لا تُلزم نفسك بزمن محدد أو مقدار معين من الصفحات

هذه الطريقة وإن كانت تلزمنا بالقراءة وعدم التهرّب منها، إلا أنها ليست مثمرة بالقدر الكافي، إذ أنها تغدو كالواجب اليومي، ليس هناك مفرٌ من عدم القيام به، فيكون اهتمام العقل وتركيزه موجهٌ لإنهاء واجب القراءة. عوضًا عن هذا؛ دع لنفسك الحرية الكاملة في هذا الأمر، اقرأ حتى لم تعدْ تشعر بأنك قادر على المواصلة.

  • ناقش وحاور

لا يقتصر الأمر على القراءة وتدوين المعلومات الجديدة والاقتباسات الجميلة. بعد أن تقرأ وتدون، عليك أن تناقش وتحاور ما قرأت وتعلّمت. ناقش الأفكار والمسائل الجديدة مع صديق لك أو ناظر أحدهم في مسألة لا يجمعكم فيها رأيٌ واحد. بهذه الطريقة، تعيد اِستذكار ما قرأت وتكرار ما تعلّمت، ولتكرار المسألة بالقراءة والتدوين والمناقشة أثَرٌ عظيم في حفظها في الذاكرة لوقت طويل، وتمكين القارئ من حجته وجعّله ضليعًا بها، ومرجع الأمر كله فائدة ومنفعة عليه.

  • لا تعتقد بصحة كل ما تقرأ

يقع الكثير من الأشخاص في هذا الخطأ الجسيم، وتبعات هذا الخطأ وآثارهِ كارثية مدمرة -ولا أبالغ- على الفرد والمجتمع. أحدهم يقرأ كتابًا مُبطَّن بالأفكار العنصرية والكراهية تجاه عرق أو شعب محدد، فيتشرّب هذه الأفكار ويتعصّب لها، لِتنتج في آخر الأمر سلوكًا عنصريًا ومجموعات متطرفة. أو قل كتابًا فكريًا أو علميًا يبحث في مسألة أو نظرية وللمؤلف قولٌ فيها يضعه أمام القارئ الذي إن أخذ به بشكل مطلق وقع في الخطأ. الكُتّاب هم أناسٌ عاديون يقعون في الخطأ، منهم السيئ والجيد، فلن تخلو كتبهم من الأخطاء والعثرات ولن تخطَّ أقلامهم كُلَّ صالحٍ ونافع.للأديب المؤلف أنيس منصور عبارة دقيقة في هذا الأمر، يقول: «إذا كنت ستصدق كل ما تقرأ فلا تقرأ».

  • اكتب ودوّن

من الأمور المفيدة حقًا كتابة مراجعة أو تدوينة حول كتاب أو رواية، أو ربما نقدٌ وتحليل لبعض أفكار الكتاب ومحتوياته. تساعد الكتابة على مراجعة الأفكار التي دوّنتها و الفوائد التي استخلصتها أثناء القراءة. موقع Goodreads أو مواقع أخرى وصفحات توفر للقارئ مساحةً لكتابة ما يريد ومشاركة ما كتبه مع عدد آخر من القراء.

  • القراءة عملية تراكمية

لطالما تمنَّينا حِفظَ كل ما نقرأ وألا ننسى بيت شعرٍ مررنا عليه أو مسألةٍ عرضَت لنا في حاشية الكتاب. إلا أن هذا من المستحيلات ولا يكون هذا إلا فتحاً من الله يخصُّ به بعض عباده.
سمعت الدكتور سلمان العودة فك الله أسره في إحدى محاضراته يضرب مثلاً حول هذا الأمر، يقول الدكتور بما معناه: «أننا حين نأكل تمرةً فإنها لا تبقى على حالها، إنما تتوزع داخل الجسد فتصير لحمًا وعظمًا وعصبًا ودمًا». كذلك الكتاب الذي نقرأ. ويعقّب بقولٍ نفيس: «أدركت أن كتابًا أقرؤه يتقسّم، فيعزز لغتي، ويزيد معرفتي، ويهذب أخلاقي، ويرقي أسلوبي في الكتابة والحديث ولو لم أشعر».

خِتامًا؛ ليست القراءة بالأمر السهل والمستحب للنفس، لا سيما في البدايات. حقيقة القراءة أنها أمرٌ صعبٌ وشاق تفِرُّ منه النفس ولا تأنسُ لفعله. لكن الوقت والصبر كفيلان لحلِّ كلّ شيء كما يُقال. فَفِي قراءة الكتاب تِلو الكتاب، يغدو الأمر سهلاً ومعتادًا، بل مطلوبًا ومرغوبًا للنفس تجد فيه راحتها وسعادتها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد