على امتداد تاريخ الصراع السياسي والعسكري في اليمن لم تكن هناك أي خطورة تستهدف النشء أو تهدد هويتهم وحقهم الوجودي على ظهر هذا الكوكب كما هو الحاصل اليوم، فقد بات الأطفال اليوم يشغلون حيزًا كبيرًا في ساحات المعارك الدائرة في عموم البلاد، وبحسب تقارير لمنظمات حقوقية وأخرى معنية بالطفولة، هناك مئات الأطفال والقصر يلتحقون يوميًا بجبهات الحرب تاركين أسرهم ومنازلهم وغير آبهين بمصير حقائبهم المدرسية!

تتزايد ظاهرة ملشنة الأطفال وتتسع آفاق استقطابهم في الحروب بشكل ملفت للانتباه وعلى حساب التعليم طبعًا.
إن ظاهرة بهذا الحجم تحتم علينا التنقيب عن العوامل والمسببات التي أسهمت في ازدهارها ورواجها في مجتمع من النشء والقاصرين .

أول تلك العوامل هو عدم وجود قوانين صارمة تجرم كافة أشكال استغلال الأطفال والزج بهم في الصراعات المسلحة، وإن وجدت فهي قوانين نظرية لا تطبق. أما ثاني تلك العوامل فهو جهل الأسرة وغياب الوعي الفكري لديها، فهناك الكثير من الأسر تنخدع بالشعارات السياسية والدينية لبعض الجماعات المسلحة وتبادر بدفع أبنائها القصر إلى أحضان تلك الجماعات معتقدة أنها تنصر الله بدفع أبنائها إلى تلك الجماعات الدينية المتطرفة، لتبدأ مرحلة تعبئتهم بأفكار ومعتقدات متشددة ومن ثم تدريبهم عسكريًا وانتهاء بتسليحهم وصهرهم في وحدات قتالية تابعة تحت رايات أصولية متطرفة. ثالث تلك العوامل يتعلق بثقافة المجتمع نفسه، ففي مجتمع كاليمن تحظى الكثير من العادات بالتشجيع والتباهي كعادة حمل السلاح التي تشربها اليمنيون أبًا عن جد، بل ويعدونها من مكملات الرجولة وصنع الهيبة الفولاذية لمزاولها، ولأنها كذلك في نظرهم يقبل الأطفال على تقليد الكبار في ممارستها بشوق ولهفة، ومع انهيار الدولة اليمنية وسيطرة جماعة الحوثي المسلحة على المشهد العام في البلد التقت أهداف هذه الجماعة التي تؤمن بلغة السلاح والعنف مع طموحات الأطفال في اقتناء السلاح، ولأن هذه الجماعة تمنح كل من ينضم إليها سلاحًا آليًا (كلاشنكوف) فقد تمكنت من استقطاب الكثير من الشرائح العمرية في صفوفها، وكان الأطفال هم الشريحة الأبرز دون شك، وفي بلد تأصلت فيه ثقافة التعصب المتكئ على السلاح ما أسهل استغلال الأطفال واستخدامهم وقودًا للصراعات سواء السياسية منها أو الطائفية أو حتى العرقية، فبمجرد أن يجد الطفل اليمني من يمنحه السلاح، فإنه يجند نفسه ومشاعره وقوته لخدمة رب سلاحه دون أدنى تفكير أو تيقظ لمآلات حمل السلاح وتبعات الانضمام لجبهات القتال .
إن المحظوظ من بين أولئك الأطفال المجندين هو من تكتب له رؤية أسرته مجددًا ليسارع بالسلام والاطمئنان عليها، ومن ثم يعود لجبهات القتال منتظرًا دوره في طابور الموتى، أما الأشقياء وهم الغالبية فيعودون إما جثثًا متفحمة، أو كتلًا لحمية مجزأة أغارت على جسد صاحبها آلات الحرب الوحشية فقطعتها إربًا إربًا.

تكاد مقاعد الدراسة تميز من الفراغ الذي أحدثه هؤلاء الفتية، وتكاد المقابر أن تصرخ قائلة: لا تملؤوني بجثث براعمكم الأبرياء!
الأمر يبدو مأساويًا جدًا في بلد مكتظ بالفئة العمرية من هرمه السكاني، وتستشري فيه حالتا الفقر والبطالة في ظل توقف شبه تام لعجلة التنمية منذ انهيار الدولة وسيطرة الحوثيين على كل مرافقها ومؤسساتها.

المؤشرات على الأرض تنبئ بتزايد ظواهر تجنيد الأطفال واستغلالهم بكل رعونة من أجل تمرير مشاريع سياسية وطائفية دنيئة، إذ تشهد أسواق الموت (جبهات القتال) طفرة في أعداد المقاتلين الأطفال، كما أن المقابر استقبلت جثثًا غالبيتها من هذه الفئة، وكأن اليمنيين قد أجمعوا على بتر شريان الطفولة من الجسد اليمني برمته، خصوصًا وأن المجتمع والجهات الرسمية المعنية بالطفولة لم يؤديا الأدوار المنوطة بهما تجاه الطفولة وتجنيبها ويلات الصراع والحروب العبثية.
ليبقى السؤال:
إلى متى ستظل الطفولة في اليمن وقودًا للحروب الطائفية والسياسية؟!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد