أحلامنا وآمالنا أطواق معلقة على رقاب جهودنا، هي تستحقنا إلا أننا نتعجل قطف ثمارها فنفقد حلاوتها ونخسر جمالها.

مقاصدنا رهينة لسعينا، فهي قريبة منا إلا أنها تبتعد كلما طلبناها بلين وأردناها براحة، العمل المضني ليس طريقًا لإنجاز الماديات فحسب، بل هو سر الرفعة في المعاني والمحسوسات، إذ لا يمكن أن تظل خامل الفكر معطل العقل وتتمنى أن تصلح آلاف المنحرفين، فتلك الأماني ستكلفك جهدًا وستحتاج منك إلى عمل دؤوب يدفع الغافلين دفعًا ويعلم غير العاملين بأن الركون لا يعني الوصول إلى نهاية الطريق، بل يعني أن يظلوا سكانًا للطريق لا يقطعونه ولا يتعدونه ومن ذا الذي يرضى بأن يكون ساكنًا في الطريق والناس تمضي؟

إن أحلامنا تظل حبيسة أعمالنا، فهي في أسر ضمايرنا ورهن قلوبنا، هي تحتاج منا إلى التوبة كي ننعتق من مخاوف الفشل ونتحرر من وجل المجهول، هي تسري في عروقنا تحرك أجسادنا ترهق عقولنا تحتاج إلى تحقيق، تلهث وراء تنفيذ تنتظر أن نفي بوعودنا وتنتظر أن نؤدي عهودنا، كيف لإنسان أدرك أن بلوغ أعلى سقف في حياته لا يحتاج منه سوى عزيمة صادقة وإرادة قوية تؤطر النفس وتدفعها لخوض غمار الحياة بكل قسوتها وبكل أحوالها دون الاستسلام لجيوشها الجرارة، ودون الوقوع في حبالها القاتلة، التي قيدت أحلام كثير من العابرين، وصنعت منهم دمًى لا تحرك ساكنًا ولات حرض خاملا، كثير من الناس عركتهم الحياة حينما أعلنوا عداءها واشتكوا من ظلمها فأدمنوا الشكوى واعتادوا السخط حتى غلبتهم الحياة بمصائبها المتتالية وكوارثها المستمرة، فلو كانوا يقابلون كل سقوط بنهوض أقوى وكل بلاء بصبر أكثر لأصابوا الحياة في مقتل، ولأتتهم راغمة تستجدي البقاء وتستعطف العطاء.

أسلافنا ونحن مختلفون تمامًا، فأقصى غاياتنا هي أدنى غاياتهم، نحن نطلب الحياة لنعيشها وهم يطلبونها لتعيشهم، إنهم أجبروها على تفضيلهم ونحن أجبرتنا على الركوع تحت أقدامها والسير على خطى ملذاتها.

 أسلافنا أدركوا أن تحقيق المقاصد معلق كما الروح التي فاضت إلى ربها وتركت ديونًا لم تقض وحقوقًا لم تودّ، علموا أن برزخ الأحياء الذي تعلق فيه أحلامهم هو فساد نفوسهم وخبث سرائرهم، فلا فكاك مما هم فيه إلا بالرجوع إلى الرشد والعودة إلى الطريق الأمثل، يحدثني أحدهم وهو دائم الحضور معي يؤنبني أحيانًا ويؤلمني أخرى، يقول بأنه ضميري الذي تركته عند منعطف المصلحة ورحت أتناساه كلما مضت بي السنين لتأخذ مني بهجة الشعور بالفرح وتسلبني نشوة النصر، يؤنبني بحسرته على جرم لم ترتكبه يداي ولم تغترفه كفي، إنه يتهم ذاتي ويدعي أني نسيت كثيرًا من واجباتي، إنه يقول أن الترك أحيانًا جرم يفوق الفعل أضعافا، كيف لي أن أنسى أن بأحلامي تلك قد أكون آلمت قلوبًا وأدميت أفئدة لطالما تمنت لي الخير؟

 إن كنت نادمًا فإني سأبوح لتلك المآسي ولتلك الأوجاع ولتلك الظروف ولأولئك الأشخاص الذين وقفوا في طريقي في سلسلة زرعها كعدو لهم أرادوا كبح جماحي قصدوا تعطيل مسيرتي ورغم أنوفهم عبرة فشكرا لتلك الظروف ولتلك الأوجاع ولأولئك الأشخاص، فأنتم حقًا تستحقون الشكر فلولاكم لربما كنت سابحًا في تلك البركة الراكضة التي تمكث فيها الطيور العاجزة عن الطيران، بينما تغادرها ذات الأجنحة وتفر منها على عجل؛ إن كنت مقصرًا في أداء ديوني فلك أنت أيها الضمير الذي آلمتني كثيرًا وأنت تراني قانعًا يائسًا لا أبصر طريقي، أنا أعتذر إليك فقيودي حينها كانت أقوى كانت تمنعني من النهوض تجبرني على البقاء رهن إرادتهم لي تجعلني تابعًا لحديثهم عني فلطالما سمعتهم يتهامسون بأني لست جديرًا بشيء، فصدقت حديثهم وركنت إلى نظرتهم، لم أتوقع منك أن تحررني من تلك القيود التي اكتشفت أنها في الواقع غير موجودة أصلًا، بل كانت تصنعها أقوالهم وتحكم قفلها أوهامهم.

وعدتك أيها الضمير أن أمضي في ذاك الطريق الذي رسمناه معًا، الطريق العامر بالمقاصد المليء بالرؤى ذاك الذي عبدناه معًا ولم ننتبه فيه لقلة السالكين، فليست الكثرة تعني القوة دائمًا، وليست القلة تعني الضعف.

 «ﻛَﻢ ﻣِّﻦ ﻓِﺌَﺔٍ ﻗَﻠِﻴﻠَﺔٍ ﻏَﻠَﺒَﺖْ ﻓِﺌَﺔً ﻛَﺜِﻴﺮَﺓً ﺑِﺈِﺫْﻥِ ﺍﻟﻠَّﻪِ ﻭَﺍﻟﻠَّﻪُ ﻣَﻊَ ﺍﻟﺼَّﺎﺑِﺮِﻳﻦَ».

 

فذاك وعد وهو صادق!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

4, صادق, فكر, وعد
عرض التعليقات
تحميل المزيد