ليس بالضرورة أن تجعل الجميع أصدقاء لك، ولكن من الأهمية بمكان أن تجعل من نفسك صديقًا للجميع، ثق بالأصدقاء؛ لأنهم جعلوك ملكًا تتربع على عرش القلوب، وصاحبًا يتسابق إليه من كل الدروب، ولتعذر الأعداء؛ لأنهم نصبوك رغمًا عنهم راعيًّا لغيرهم، وحائزًا على ودهم دون منازع.

يأسرني ذلك القلب الكبير الذي يرى بأن للجميع عليه حق في وده، وفي عرض ذكائه الاجتماعي؛ الذي يصور الناس على أنهم كتل من الضعف، يجب مد يد العون لهم؛ لانتشالهم من قسوة الغير، التي تتمثل في تعقيد أبسط مقومات الحياة، واعتبار ذلك العالم الواسع مضيقًا من المآسي، وحرزًا من العدائيات.

عندما يكون الوعد نابعًا من ضمير متصل بالقيم، صادر من المبادئ؛ يجب حينها بذل الجهد قصدًا لتحقيق ذلك الوعد، بأن تبقى ونبقى على أهبة الاستعداد لمد ذلك الحبل المتين من الإخاء، وتلك السلسلة المتماسكة من الذكريات والمواقف، التي صنعت منك صديقًا يجذب الجميع بمؤانسته، ويجبر أولئك المتمردين عن قيم الإنسانية على الاحترام والصمت، رغم العيوب الموصومة بهم، والمخازي المرسومة لهم. يا صديقي أنت فوق كل شيء، فلا يستطيع أولئك الغوغاء باختلاف نظراتهم، إطفاء ذلك الزخم الذي كساك حللًا، كتلك التي حاز عليها العظماء وتقلدها المشاهير.

لا تجبر نفسك العظيمة على الموت حزنًا على بشر يختلفون عنك خلقًا وخليقة، فما وقر في قلب العظيم يضيق به صدر الدنيء، وما تتحمله الجبال تهمله السهول؛ إن حرصك على التمسك بقيم الفضلاء في تعبيره ووصفه يشابه ذلك النبراس الذي غطى نوره كتل الظلام، يضيء لكل مظلم أيًّا كانت حاجته، ويتغاضى عن تلك الأجساد التي ترمي بنفسها حد الموت، تتفق على الفناء لتطفئ ذلك النور فهل كهذا النور يُطفأ؟

الحياة مليئة بالقسوة، زاخرة بالحب، مكتظة بالأخيار، وكذلك بالأشرار؛ فهي خليط من الألوان التي قد تلتقي في لوحة شخص واحد، فتارة يسعد بحظوظه، وتارة يأسى لصروفه؛ فيجد في الأولى بأن الحياة أسعدته، وأن الشرور فارقته، لكن حالما تنقلب عليه الدوائر سيدرك بأن الثانية هي مصيره، وأنه لم يذق من الأولى سوى سويعات قضاها تكبرًا، واستعلاءً، وتنطعًا، واستبدادًا.

فالنوايا برهانها الأقوال، والأقوال مصداقها الأفعال، ولسنا مجبرين على شرح تلك النوايا، ما دامت أفعالنا تتكلم، وأقوالنا تتصدى لكل المغرضين، ولسنا في حاجة إلى الزج بأنفسنا في مستنقع الجدال؛ لإثبات أن لنا قيمًا أعلى، وأهدافًا أسمى، تشهد على علو أفهامنا، ورقي أفكارنا.

حسن الخلق من أعظم صفات عظماء الإنسانية؛ فتلك السمة هي من تحشد حولهم الآلاف من الداعمين، وتهيئ لهم كل الظروف التي من شأنها أن تظهر شخصًا ما كاملًا ذاك الكمال الإنساني، الذي يجعل منه فيما بعد قدوة، ومثلًا أعلى، وأُمة يشار له بالبنان، ولو تقصينا التاريخ؛ لأدركنا أن أبطاله كانوا في يوم من الأيام أُناسًا عاديين تُزدرى كلماتهم، وتُعاف عباراتهم، إلا أنهم كانوا لا يكفون عن إصلاح ذواتهم، وتطوير مقدرتهم؛ حتى أصبحوا الأجدر بالتقليد من بين أقرانهم، والأحق بالشرف، والأولى بالاقتداء. فهي في أسمى معانيها هبات يعطيها الله لعباده، فمنهم من يعبر بها إلى أسمى المراقي، ومنهم من يهبط بها إلى أسوأ الأدراك.

فبين عابر ومتعثر يستمر التاريخ في طرح أعدائه، وفضح سوءاته، ويستمر على رأس القرون مخبرًا كل قرن عن أبطاله، وعن جبنائه، وتبقى المواقف هي الورقة الرابحة في سجلات الأزمان، ويظل المنقذ رجلًا عركته الحياة؛ فأخرجت كفؤا لمهماته، صادقًا بوعوده، عابرًا بكل تلك النكبات نحو بر الأمان، صانعًا لنفسه عمرًا من ذهب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد