الحمد لله الذي خلقنا، ورعانا، وربانا، وحمانا، وأسبغ علينا نعمة ظاهرة وباطنة.

 أقدم لك أيها القارئ الكريم، بعض المعاني والأسرار واللطائف الرحمانية، في أسباب أمر الحق تبارك وتعالى لعباده بالاستعاذة والبسملة، عند البدء في قراءة كتابة الكريم، وبعض معانيها وفوائدها.

إذًا ما هي الاستعاذة؟

 هي قولنا «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» ويقصد بها اللجوء إلى الله تبارك وتعالى، وطلب الحماية منه من الشيطان العدو الأول والأكبر.

وهناك فرق بين مفهوم «الاستعاذة» ومفهوم «اللياذة» فالاستعاذة: هي اللجوء إلى الله، والاعتصام به، وطلب الحماية منه، لدفع شر أما اللياذة: فهي طلب الحماية واللجوء اليه لجلب خير وكلمة «الشيطان» هي اسم مشتق على أحد أصلين في اللغة، إما من «شطن» وهو بمعنى بَعُدَ، وإما من «شاط» وهو بمعنى احترق، أما شطن فعليه أغلب أهل اللغة، ومنه قول عنترة – في بيت الشعر الذي يمدح فيه نفسه – «يَدْعُونَ عَنْتَرَ والرِّمَاحُ كَأَنَّهَا – أَشْطَانُ بِئْرٍ في لَبَانِ الأَدْهَمِ» وأشطان البئر هي الحبال التي تتدلى في البئر وسميت بهذا لبعد الطرف عن قاع البئر.

 كيف الشيطان بَعُدَ؟ بَعُدَ عن كل خير فهو مطرود من رحمه الله قال تعالى: وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَىٰ يَوْمِ الدِّينِ «78» لذا فهو أبعد ما يكون من رحمه الله. وُصِف الشيطان بأوصاف كثيرة مذمومة في كتاب الله، وأشدها على الإطلاق وصفه بالرجيم، والرجيم في اللغة على وزن فعيل، وفعيل تأتي إما بمعنى فاعل مثل «أمير» بمعنى آمر، أو مفعول مثل «قتيل»، وقتيل هنا بمعنى مقتول.

فإن كان «رجيم» هنا بمعنى مفعول، فالمقصود أنه بعيد عن رحمه الله تبارك وتعالى وإن كان «رجيم» بمعنى فاعل – أي راجم – فالمقصود انه يرجم الناس بوسواسه. 

 وينتج عن الاستعاذة ثلاثة أمور لابد أن يستحضرها كل مؤمن في قلبه:

الأول: اعتراف وإقرار من القائل بضعفه وعجزه عن مقاومة الشيطان بمفرده، فالشيطان يستقوي علينا بأننا لا نراه، ونحن نستقوى عليه بالذي يرانا ويراه.

الثاني: الاعتراف بعظمه الله – سبحانه وتعالى – وقوته، والخضوع التام له، وأنه ليس لنا إلا هو نلجأ اليه، ونعتصم به، ونطلب منه العون فهو الحق الذي لا يغلبه أحد، ولا غالب إلا الله.

الثالث: الاعتراف بعداوة الشيطان، وأن مجرد تَذَكُّر تلك العداوة أمر محمود، ومأمور به، لأن العداوة على قسمين: الأولى عداوة دينية: وهي التي بيننا وبين الشيطان وأوليائه، وهذه العداوة باقية إلى يوم الدين، ونحن مطالبون بتذكرها، واستحضارها قال الله تعالى: «إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدو».

والعداوة الثانية: عداوة طبعية، مثل العداوة بيننا وبين الحَيَّات، وهذه قد ترفع، كما قال النبي – صلى الله علية وسلم – أنه في آخر الزمان يدخل الرجل يده في فم الحية فلا تضره.

 لماذا أُمِرنا بالاستعاذة عند قراءة القرآن: للاستعاذة فضائل وأسباب كثيرة من أهمها:

1- ليكف الله عنا أذى الشيطان وتلبيساته ووساوسه، فهو عدو خفي – كما ذكرنا – يستقوي علينا بعدم رؤيتنا له، ونحن نستقوي عليه بالذي يرانا ويراه.

2- الشيطان قد يتسبب في صد المؤمن وعدم استمراره في قراءة القرآن والإقبال عليه.

3- الشيطان قد يكون حاجزًا أمام انتفاع المؤمن من قراءة القرآن والفهم الصحيح لكلام الله، وقد يقوده لاتباع المتشابه، وترك المحكم وإلى تأويلات تخالف مراد الله قال تعالى: «فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ».

البسملة: «بسم الله الرحمن الرحيم»: اتفق العلماء على أنها جزء من القرآن، واختلفوا هل البسملة آيه من الفاتحة؟ أم لا؟ وليس المقام هنا مناسب لبسط الخلاف.

ولفظ «البسملة» صيغ تبعا لظاهرة لغوية تعرف بظاهرة النحت، والنحت: وهو أَخْذُ كلمة من كلمتين متعاقبتين، واشتقاق فعل منها، وكان ذلك في النسب، مثل قول عبد يغوث الحارثي:

وتضحك مني شيخة عبشمية كأن لم تري قبلي أسيرًا يمانيًا.

ومعنى «عبشمية»، أي من بني عبد شمس.

ثم خصصها العلماء بتسميتها بسملة، وتسمية «لا حول ولا قوه إلا بالله» حوقلة، و«لا إله إلا الله» هيللة.

اذكر معناها إجمالًا ثم نفصل فيها:

بسم الله: أبتدئ هذا الفعل مصاحبًا، أو مستعينًا باسم الله، ملتمسًا البركة منه، والله هو الإله المحبوب المعبود الذي تتوجه إليه القلوب بالمحبة والتعظيم والطاعة العبادة، وهو الرحمن المتصف بالرحمة الواسعة، الرحيم الذي يوصل رحمته إلى خلقه، قيل المعنى: أبدأ هذا الفعل بتسمية الله وذكره، قال الإمام ابن جرير الطبري: «إن الله تعالى ذكره وتقدست أسماؤه، أدَّب نبيه محمدًا – صلى الله عليه وسلم – بتعليمه تقديم ذكر أسمائه الحسنى أمام جميع أفعاله، وأمره أن يصفه بها قبل جميع مهماته، وجعل ما أدبه به من ذلك، وعلمه إياه منه لجميع خلقه سنة يستنون بها، وسبيلًا يتبعونه عليها، في افتتاح أوائل منطقهم وصدور رسائلهم وكتبهم وحاجاتهم، حتى أغنت دلالة ما ظهر من قول القائل بسم الله على ما بطن من مراده الذي هو محذوف».

التفصيل:

الله: هو الاسم الأعظم، وهو أعرف المعارف، الغني عن التعريف، وهو عَلَم على الباري، مختص به دون سواه، والصحيح أنه مشتق من أله يأله ألوهة وإلهة، فهو إله بمعنى مألوه أي معبود فهو: ذو الألوهية، والحاصل أن اسم الجلالة الله عَلَم على ذات الباري.

ويُجمع الجمهور على أن معناه الشرعي: المعبود بحق، وأسماء الله الحسنى صفات تجري على هذا الاسم العظيم، وهو من الأسماء الأقرب عند العلماء ليكون اسم الله الأعظم.

الرحمن: اسم من أسماء الله الخاصة به، لا يسمى به غيره، ومعناه ذو الرحمة الواسعة، لأن وزن فعلان، يدل على الامتلاء والكثرة وهو أخص أسماء الله بعد لفظ الجلالة، كما أن صفة الرحمة هي أخص صفاته، ولذا فغالبًا يأتي ترتيبها بعد لفظ الجلالة كما في قوله تعالى: قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن.

والرحمن يراد بها رحمته لجميع خلقه في الدنيا مؤمنهم وكافرهم برهم وفاجرهم، يطعمهم ويسقيهم ويرزقهم ويشفيهم، لأنه ذو رحمه واسعة تجده ينصر الدولة الكافرة العادلة لأنه رحمن، تجده يعطي المجتهد الكافر على كفره لأنه رحمن، تجده يجازي المنفق الكافر بشيء من الذكر الحسن في الدنيا، وشيء من السعادة في الدنيا؛ لأنه رحمن.

والرحيم: اسم من أسماء الله معناه الموصل رحمته إلى من يشاء من عباده، والرحمة هنا متعلقة بالمؤمنين، أي أنه رحيم بالمؤمنين فقط قال تعالى: «وكان بالمؤمنين رحيمًا».

قال ابن القيم: ولم يجئ قط رحمن بهم، فعلم أن رحمن هو الموصوف بالرحمة، ورحيم هو الراحم برحمته وقال الجمهور إن معنى الرحمن: المنعم بجلائل النعم، ومعنى الرحيم: المنعم بدقائقها.

وبعضهم يقول: إن الرحمن هو المنعم بنعم عامة تشمل الكافرين مع غيرهم، والرحيم هو المنعم بالنعم الخاصة بالمؤمنين.

ويُستدل باجتماع لفظي «الرحمن الرحيم» على أن رحمه الله واسعة عظيمة وواصلة إلى الخلق؛ لأن كثيرًا من ملوك الدنيا الرحماء تعوق رحمتهم كثير من العوائق فلا تصل رحمتهم للناس، أما الله سبحانه وتعالى فلا عائق أمامه، ولا راد لرحمته سبحانه وتعالى.

لماذا أُمِرنا بالبسملة؟

للأمر بالبسمة حِكَم وأسباب كثيرة أذكر منها:

 1- الأمر بذكر اسم الله واستصحابه هو تمامًا كما أُمِر النبي عند نزول الوحي بأن يقرأ «باسم الله»، وكان محض فضل من الله، لأنه أمي لا يقرأ، ومع ذلك سينتفع بما سيقرأ غاية الانتفاع فكذلك أمرنا نحن.

وكما ابتُدئ القرآن مقروءًا بسم الله حال نزوله يُبتدأ متلوًا باسم الله، ولنعلم أن لا قدرة لنا على الانتفاع بهذا الكتاب والانقياد لأوامره إلا بعون الله لنا ورحمته بنا، وليقر في قلب كل مؤمن أنه قَدِر على هذا العمل بقدرة الله واستصحاب معيته ورحمته الواسعة.

2- الأمر بالبسملة يُذَكِّر العبد بالنية عند البدء حتى يثاب على العمل الذي سيقدم عليه، فمن زرع باسم الله يثب، ومن صنع باسم الله يثب، ومن قرأ باسم الله يثب، وهكذا.

3- والبسملة تحمل رسالة لكل مسلم ألّا تصدنك معاصيك عن أن تُقْبِل على كتاب الله، وتستصحب الله في أمرك؛ لأنه رحمن رحيم لا يتغير على عبده وإن عصى، وأن رحمة الله واسعة، يُنعِم بها على العبد في كل أحواله، فالرحمة من الرحم، وكما أن هذا الجنين في الرحم محاط برحمة الله وعنايته دون أن يقدم شيئًا أو يعطي سببًا ليستحق الرحمة، فكذا نحن ننعم برحمة الله الواسعة، ليس لشيء قدمناه، بل محض فضل ورحمة من الله.

4- وفيه قدسية الاستصحاب والتنبيه على عظمة الكلام والأحكام القادمة فإن الحكام والمسؤولين حينما يريدون أن ينتبه الناس ويصغوا وينصاعوا للكلام والقوانين التي سيتلونها يقولون: باسم الرئيس وباسم الشعب، فينتبه ويصغي وينقاد الجميع لتلك الأوامر.

هنا نقول بسم الله حتى تقع العظمة في قلوبنا، وننساق للأوامر القادمة وينصاع المستمع كذلك؛ لأن صاحب هذا الكلام هو الله صاحب العظمة المطلقة وكلامه أعظم الكلام وأنفعه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد