ترتكز العلوم في مبانيها وإنتاجاتها على نظرية «تكامل المعارف»؛ ذلك لأن العلوم متشابكةٌ ويخدم كل منها الآخر، بل تطرِد فوائده -تكامل المعارف- فتوسع دوائر النظر والتحليل، ثم دوائر العمل والتطبيق، وهما دائرتا الزرع والإثمار في شتى الحقول المعرفية، فنجد مثلًا علم النفس الاجتماعي، والاقتصاد السياسي، والاجتماع العسكري، والتربية السياسية، والجغرافيا الاقتصادية، وغيرهم كثير، ومما ندرت الكتابة المعاصرة فيه -في ما أعلم- هو المنطلقات الدستورية الأصولية للسياسة الشرعية، وعلاقة السياسة بالقواعد الأصولية؛ ذلك لأن مبحث السياسة مندرِجٌ في كتب الفقه عند المتقدمين، ولم يفرد بمؤلفٍ مستقلٍ -والله أعلم-.

ومما درجتْ عليه عادة العلماءِ ذِكر القواعد الفقهية والأصولية الناظِمة لِبابٍ من الأبواب؛ لأن ضبط القواعد يسهل استحضارها عند ذِكرِ الفروعِ والمسائل، والمستجدات النوازل.

وتكمن أهمية هذا المبحث في أنه العدة والآلة التي تميز الباحث السياسي ذا الأيدولوجيا والمنهجية الإسلامية عن غيرِه ممن ينظرون إلى القضايا السياسية من منظورٍ قومي بحتٍ، أو علمانيٍ صِرفٍ، أو منظور ليبرالي ينزِع إلزامات الشريعة الإسلامية، ويضعها داخل مساحة الحرية الفردية، أو منظورٍ متحررٍ من تصوراتِ الإسلام ورؤيتِه في القضايا الوجودية والكلية بوجهٍ عامٍ.

القاعدة الأصولية والفقهية

1- تعريف الجرجاني: القاعدة قضية كلية منطبقة على جميع جزئياتها. (التعريفات: ص171)

2- تعريف شهاب الدين الحموي: حكم أكثري لا كلي ينطبق على أكثر جزئياته لتعرف أحكامها منه. (غمز عيون البصائر شرح الأشباه والنظائر)، دار الكتب العلمية، بيروت، (1/51)

وهما مذهبان بين (الكلية والأكثرية) يجب التدقيق فيهما؛ لأنه ينبني عليهما تباينٌ في التطبيق بين الأئمة.

وهاكم ذكر بعض القواعد، استتبعته بضربِ مِثالٍ عليها ليتضح المراد، وقد قسمتها إلى سبعة مناظير حتى تستقيم الرؤية الكلية في القراءة والنظر:

أولًا: قواعد الاختيار والتولي (المنظور التأسيسي)

1- الإمامة عقد بين الراعي والرعية، والإمام نائب الأمة لتحقيق مصالحها، فمتى رأت الأمة خللًا في العقد، حق له فسخه وإقالة الإمام.

2- كما يحق للأمة اختيار إمامها، وهي مصدر السلطة –كما قال الغزالي- يحق لها محاسبته ومساءلته، ولو وسْط جمعٍ غفيرٍ.

3- على الأمة أن تسمع وتطيع لإمامها فيما لا يخالف فيه نصًّا صحيحًا صريحًا.

4- الواجب فعل المقدور، فيمن تتوافر فيه شروط التولي لأي منصبٍ كان، وذلك وقت خلو أو فقْدِ بعض الشروط الخاصة بتولي الوظائف، ويقدم الاقتصادي الكفء الأقل تعبدًا على الاقتصادي الأقل كفاءةً وأكثر تعبدًا.

ثانيًا: قواعد المصالح والمفاسد (المنظور المصلحي)

1- الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، «جواز عقد الهدنة وترك الحرب بين المسلمين والكفار، بحسب ما يراه الحاكم من المصلحة».

2- لا ضرر ولا ضرار، «للحاكم أن يسعر للناس إذا تضمن التسعير العدل، ويمنع الناس من الفوضى والغشِ في الأسعار».

3- يقدم عند التزاحم خير الخيرين، وشر الشرين، «ترك إقامة الحدود في الجهاد؛ خشية أن يفتن من يقام عليه الحد ويلحق بالكفار، ولما فيه من إضرارٍ بمعنوياتِ الجند».

4- إذا تعارضت المصلحة والمفسدة قدم أرجحهما، «جواز تولية من فيه بعض القصور، إذا كان في توليته مصالح عظيمة تربو على المفسدة، كتولية الشجاع القوي في الحرب، وإن كان فيه بعض الفسوق».

5- الجماعة رحمة والفرقة عذاب، «اختيار الفرقة مع وجود الجماعة المستقيمة شرور على البلاد والعباد، فهو مهلكة ومفسدة».

6- الدين النصيحة، «وهو حقٌ للحكام والعامة على حد السواء في كل زمانٍ ومكانٍ».

7- العدل مأمور به في جميع الأمور وجميع الأحوال، لا يتبدل ولو مع ظالمٍ أو كافرٍ.

8- الشريعة منضبطةٌ والأهواء غير منضبطةٍ، «وجوب تطبيق الشريعة، وبغض الكافر (لما يتلبس به من معصية عظيمةٍ) لا يمنع من حسن التعامل معه؛ لأن الشريعة جاءت لتسوس الناس جميعًا، وتضمن حقوقهم وتنظم حياتهم».

9- إن الله كتب الإحسان على كل شيء، «الرفق بأهل الذمة والإحسان إليهم، ولا يجوز قتل غير المقاتلة في الحرب».

10- اعتبار عمل الخلفاء الراشدين، «باعتبارهم ساسة الدولة وأئمة الدين، وليس بصفتهم قضاةً ومفتين فحسب»، فاختلاف الاعتبارات من أدق ما تختلف الأنظار بسببه».

ثالثًا: قواعد النيات (المنظور النفسي)

1- الأعمال بالنيات، «للحاكم أن يعطي المسلم والكافر من سهم المؤلفة قلوبهم لمصالح شرعية».

2- من استعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه، «فمن مهام الحاكم البداءة بالأهم فالمهم، وعدم العجلة في إقامة حد السرقة مثلًا، ولم يوفر بعد حد الكفاف؛ حتى لا يظلمهم بذلك وينفر الناس من الدين».

رابعًا: قواعد رفع الحرج (المنظور التخفيفي)

1- المشقة تجلب التيسير، «إذا تعذر جمع المسلمين تحت حكم سلطان واحد، فلكل بلدٍ إمامٌ عدْلٌ له حق السمع والطاعة، ولا يقال بأن هذا للإمام العام؛ لأنه فيه عسرٌ ومشقةٌ أو تعطيل السمع والطاعة فالفوضى».

2- لا واجب مع العجز، ولا محرم مع الضرورة، «يجب على الحاكم استشارة أهل الصدق والعدل والكفاءة، وإذا تعذر ذلك استعان بالأمثل فالأمثل، لأن الواجب إنما هو فعل المقدور».

3- يصح في الاختيار ما لا يصح في الاضطرار، «يشترط في كل ولايةٍ الأصلح والأنفع، فإذا تعذر يولي أحسن الموجودين».

خامسًا: قواعد الوسائل والآلات (المنظور الإجرائي)

1- الوسائل لها أحكام المقاصد، «لولي الأمر أن يخاطب قادة الكفر بألفاظ التعظيم أحيانًا، إذا كان في ذلك تحصيل مصلحة أو دفع مضرة».

2- المكملات والمتممات إذا عادت على أصولها بالإبطال لم تعتبر، «الجهاد مع الحكام الظالمين، فالجهاد ضروري والحاكم ضروري، والعدالة فيه (أي في الجهاد) مكملة للضرورة، فإذا كان المكمل سيعود على الضروري بالإبطال لم يعتبر، لذلك قال الفقهاء بجواز الجهاد مع الحاكم الظالم».

3- لا يجوز استدعاء البلاء «جواز بذل المال للكفار إذا خشي المسلمون على أنفسهم وكان بهم ضعف، وإذا أدى ذلك لفتنة مسلمين آخرين فلا يجوز؛ لأنه إنما افتدى نفسه، وتسبب في قتل غيره من المسلمين».

سادسًا: قواعد العرف والعادة (المنظور المجتمعي)

1- العادة محكمة «عدم قطع اليد في الشيء التافه، فإن عادة الناس التسامح في الشيء الحقير من أموالهم، إذ لا يلحقهم ضرر بفقده».

2- لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان والمكان والأحوال، «منع عمر بن عبد العزيز عماله عن القتل إلا بعد إعلامه وإذنه، به بعد أن كان مطلقًا لهم، لِما رأى من تغير حالهم»، «ولولي الأمر منع الناس من بعض الأمور المستحبة والمباحة للمصلحة العامة متى رأى ذلك».

سابعًا: قواعد استشراف المستقبل (المنظور المستقبلي)

1- فقه المآلات «اعتبار المآلات ونتائج التصرفات»، «قتل الجماعة بواحدٍ، وهو فعل عمر بن الخطاب، والأصل في القصاص أن النفس بالنفس، ولكن سدًا للذريعة، فلو لم تقتل الجماعة بالواحد لتذرع الناس إلى القتل بأن يتعمدوا قتل الواحد بالجماعة».

2- فقه الأولويات (ويرتبط بفقه المقاصد) «يراجع كتاب الشيخ القرضاوي».

3- فقه الموازنات (وهو على ثلاثة أضْربٍ: بين المصالح بعضها البعض، بين المفاسد بعضها البعض، بين المصالح والمفاسد)، ويراعى في المصالح والمفاسد درجاتها، فهناك مصلحة محققة ومحتملة، ومفسدة محققة ومحتملة، واليقين يغلب الظن ويتقدم عليه، «يراجع كتاب الشيخ القرضاوي».

فتلك نبذٌ مختصرةٌ لا تغني عن قراءة متخصصة في هذا الباب، بل تدفع إليه وتحث عليه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد