فى الوقت الذى كان مشغولا فيه رجال النظام المصرى بنهب ثروات البلاد وأموالها؛ لإيداعها فى بنوك سويسرا وأوروبا، كانت تتزايد المشكلات من كل حدب وصوب. وأبرز هذه المشكلات، التى ظل النظام يقوم بتسكينها معصبا عينيه عنها بقطعة قماش سوداء، لتنتزعه بعد ذلك أجيال قادمة، لتشاهد فاجعة وتصحرا أهوج يهدد حاضرها ومستقبلها لامحالة, فلو اغفلنا التصحر الذى سيحل بالأراضي الزراعية والمحاصيل ودموع الفلاح البسيط الذى لا يعرف مصدر رزق سوى هذه الأرض، وأنا لا أدعو للتجاهل عن هذا الأمر ليس للاستهانة أو التقليل من شأنه، لا، بل أدعو لذلك؛ لأستعرض حجم الكارثة التى ستحل على الجميع، أيا كان انتماؤه السياسى، وأيا كانت أيديولوجيته أو أجندته السياسية.

لعلنا، وعسانا نتناسى خلافاتنا الأيديولوجية، ونعى المخاطر الجمة التى ستحيطنا جميعا، وتوقعي أنه لن يفلت من هذه المخاطر سوى المترفين من الساسة والكتاب والإعلاميين، ومن اعتادوا أن يكسبوا أموالا سحتا من شعارات سياسية زائفة وادعائهم الدائم بأن قلوبهم تُفطر كل دقيقة على أحوال الشعب المصرى فهم في حقيقة الأمر، ليسوا سوى مدعين، حينما يستشعرون بالخطر عليهم وعلى مصالحهم، وعلى أسرهم، وكل ما يمسهم لا يترددون فى الذهاب فورا إلى مطار القاهرة الدولي، وركوب أول طائرة ستقلع من على أرض مصر، فهم أيضا لا يكتفون بذلك، حيث يقدر لك أن تجدهم يطلون عليك من نوافذ إعلامية خارجية ليدعوا نفس الكلام والشعارات التى لايملون من ترديدها، فهى ـ مثلما أشرت قبل ذلك ـ مصدر رزق بالنسبة لهم، واحتراف سياسى عالي المستوى، مثلهم مثل لاعبي كرة القدم المحترفين فى دول العالم لكن الفرق الوحيد بينهم وبين لاعبي الكرة عدم القدرة على الاعتزال عن الساحة؛ فهم يطلون عليك دائما ويغيرون مواقفهم حسبما تتيح الحالة.

 

الصراع المصرى الأثيوبى:

هو صراع ماض وحاضر، فمصر تسير فى طريق معاكس ومغاير تماما عن الطريق الذى تسير فيه أثيوبيا منذ التسعينيات؛ حيث إن تصريحات المسئولين المصريين دائما كانت تطمينية، وتهمش من الأزمة؛ استنادا إلى الاتفاقات التاريخية التي وقعت فى عهد الاستعمار، ونحن لا نفترى على أثيوبيا ولا ننحاز إلى وطننا زورا فأكثر من 10معاهدات تؤكد حق مصر فى مياه النيل بنسبة 55 مليار متر مكعب وهذه الاتفاقات منذ 1902 أيام كانت الاتفاقات تعقد باسم بريطانيا العظمى نستعرض بعضا منها.

 

1-اتفاقية أديس أبابا سنة1902

وقعتها بريطانيا نيابة عن مصر وأثيوبيا، وأهم ما فيها ألا يسمح ببناء أي أعمال على النيل الأزرق وبحيرة تانا أو السوباط من شأنها أن تعترض مياه النيل، إلا بموافقة الحكومة البرطانية والسودانية.

 

2-اتفاقية لندن 13 ديسمبر 1906

وينص البند الرابع منها على أن تعمل هذه الدول معا على تأمين دخول مياه النيل الأزرق والأبيض وروافدهما.

 

3-اتفاقية روما1925

وتعترف فيها إيطاليا بالحقوق المائية المكتسبة لمصر والسودان في مياه النيل

 

 4-إطار تعاون يوليو1993

كانت بين كل من الرئيس المصري وقتها محمد حسنى مبارك ورئيس الوزراء الإثيوبي وتنص على عدم قيام أى من الدولتين بعمل أى نشاط يتعلق بمياه النيل قد يسبب ضرراً بمصالح الدولة الأخرى.

 

هذا وهناك اتفاقيتان بين مصر والسودان لتثبت نفس الحق وتؤكد على عدم المساس بحق مصر فى مياه النيل.

أما أثيوبيا فلم تلق بالا لتلك الاتفاقات الماضية التى وقُعت فى عهد الاستعمار البريطاني أو بعد نيل بعض الدول استقلالها وبررت ذلك بأنها كانت اتفاقات ثنائية لا تشمل كل دول حوض النيل العشرة التي أصبحت إحدى عشرة دولة بعد انفصال جنوب السودان عن الشمال وهم: أوغندا، إثيوبيا، السودان، جنوب السودان، الكونغو الديمقراطية، بوروندي، تنزانيا، رواندا، كينيا، مصر، بالإضافة إلى دولة أريتريا كمراقب.

وهكذا مر الحال من التسعينيات مصر وتصريحات مسئوليها يستندون إلى الاتفاقات التاريخية القديمة وأثيوبيا تسير فى طريقها نحو المستقبل رامية بكل هذه الاتفاقيات عرض الحائط مبررة ذلك بأن دول المصب، وهي مصر والسودان، يحصلون على حصص أكبر فى المياه من دول المنبع التى تتزعمهم دولة أثيوبيا، ولكن السؤال الذى لابد أن يطرح: من المعروف أن دول أفريقيا هي دول فقيرة، وكما أنها تفتقر إلى الموارد، فإنها تفتقر أيضا إلى التقنية التى ستساعدها فى بناء السد، فلماذا، ومن أين كل هذا التصميم على بناء السد؟

دولة إسرائيل لا تفوت أية مناسبة فى أية بقعة من بقاع العالم، إلا لتسعى تمام السعى، لكي تستغلها لمصلحتها فمنذ قيام دولة إسرائيل سنة 1948 وهى تسعى لإقامة علاقات أفريقية، إلا أنها لم تتوسع بشكل كامل إلا بعد اتفاقية السلام حيث قامت بالتركيز على دول حوض النيل من خلال دولة أثيوبيا، وهي الدولة المنبع لمياه النيل الأزرق، ومن المعروف أن إسرائيل تعاني من حالة الفقر المائي.

ولم تسع إسرائيل بالتحديد إلى دولة أثيوبيا إلا بعد اتفاقية السلام المعروفة بكامب دايفيد سنة 1979 وذلك يرجع إلى وعد الرئيس المصري السادات بتوصيل المياه لإسرائيل عن طريق قنوات تحت قناة السويس وستسمى ” بقناة السلام” لتصل أيضا إلى القدس حيث كان الطلب الإسرئيلي وقتها تحويل 1% من مياه النيل لإسرائيل، ولما اهتاج الرأي العام، وبخاصة الأثيوبي، تراجع السادات عن الأمر شكليا إلا أن إشارة البدء فى عمل قناة لفرع دمياط كان قد بدأ بالفعل، ثم تجمد بعد ذلك بسبب مقتل السادات، ونذكر حينما وصل أمر القناة الجديدة التى ستصل المياه بإسرائيل عن طريق مصر توعد الزعيم الإثيوبي الأسبق مانجستو في حشود من جماهير الشعب الإثيوبي فيها مصرا، حيث ألقى خطابا ناريا مهددا الرئيس السادات، حيث كسر يومها زجاجة مليئة بالدماء كرمز للتهديد الحاسم.

ويرجع تأجج المشاعر بين مصر وأثيوبيا لعدة أسباب، منها: تدعيم مصر لانفصال أريتريا، كما أن أمر بناء أثيوبيا لسدود من قبل قد وصل للرئيس السادات سنة 1974ونفته أثيوبيا وردت بأنه لا يوجد سدود تُبنى لديها فأرسل الرئيس السادات طائراته التى صورت السدود ودكتها جميعها دكا واحدا، ونجحت فى ذلك بنسبة  مائة بالمائة، ولما اشتكت أثيوبيا مصر فى الأمم المتحدة على تعديها على السدود، رد الرئيس السادات بدهاء ماكر:”ألم تقولوا بأن ليس هناك سدود من الأساس!”

ثم جاء الرئيس مبارك بعد ذلك ليهمل العلاقات الأفريقية ويتعامل معها بتعال بالغ، وغير ملق لها بالاً.

هذا كله دفع بإسرائيل منذ قبالة التسعينيات إلى توثيق العلاقات الدبلوماسية مع أثيوبيا، وسعت إسرائيل لإغراء أثيوبيا بتقديمها للتقنية التى ستساعد أثيوبيا على بناء السد وقامت إسرائيل بتعزيز العلاقات الامنية والعسكرية بينها وبين أثيوبيا وتقديم الأسلحة والمعدات العسكرية مقابل التواجد الأمنى والاستخباراتي الإسرائيلي فى أثيوبيا.

إضافة إلى الاتفاقيات التجارية والاقتصادية، حيث أشار تقرير رسمي صادر عن المعهد الإسرائيلي للصادرات والتعاون الدولي أن حجم الصادرات الإسرائيلية لأثيوبيا بلغ في 2012 حوالي 18 مليون دولار، وبلغت حجم الواردات الإسرائيلية في نفس العام 46 مليونًا.

فى الوقت الذى يتعامل فيها النظام المصرى مع الأمر بشكل غير جدي ومتعال وغير عابئ لتقوية العلاقات الدبلوماسية مع أثيوبيا، كان من الممكن أن تلعب الكنيسة الأرثوذكسية المصرية دورا فى تقوية العلاقات مع أثيوبيا التى كانت الكنيسة الأثيوبية تابعة لها فى الماضي، إلا أن العلاقات تدهورت بعد حادثة أديس أبابا ومحاولة الاغتيال الفاشلة للرئيس المصرى مبارك؛ لأن الكنيسة المصرية هي أيضا كانت ومازالت تلعب الدور السياسى المرسوم لها من قبل النظام،

وهكذا ظل الأمر من الجانب المصري يطل علينا المسئولون بتصريحات “تخديرية”ومتعالية على أثيوبيا بعدم قدرتها على بناء سدود؛ بسبب ما تعانيه من فقر، إلى أن اندلعت ثورة 25 يناير سنة 2011 بدأ الأمر يتردد بقوة مرة أخرى من الجانب الأثيوبى مستغلين فرصة انشغال مصر بالأوضاع الداخلية غير المستقرة.

كل ما سبق فهو ـ من وجهة نظري ـ كان حربا باردة بين مصر وأثيوبيا؛ لأن ما شهده العامان الماضيان، وخاصة بعد ثورة يناير كانوا بمثابة حرب التصريحات الشعواء الذى كُتب فيها النصر لأثيوبيا بدون قطرة دم وحصولها على توقيع اتفاقية السد التى ضلت تسعى له منذ سنوات!

تكمن الأخطار التى ستحل على مصر فهى تبدأ من السد العالى الذى تتولد من توربيناته كهرباء ضخمة؛ بسبب الماء التى تخزن من خلاله هذه الماء، لو قل منسوبها، وحتما سيقل منسوبها؛ بسبب تغيير مجرى النيل لبناء سد النهضة، سيتوقف السد العالى عن توليد الكهرباء؛ نتيجة لانخفاض منسوب الماء اللازم عن توليد كهرباء.

هذه الكهرباء تقوم عليها منازل فى قرى الصعيد ومصانعها الكبيرة، مما سيتسبب فى خسائر اقتصادية حتمية، ولك أن تتخيل أن أثيوبيا التى سوف تستفيد من كهرباء سد النهضة، بحيث يمكنها أن تبيعها لك فى يوم من الأيام، ولعل البعض، لا قدر الله، يصاب بمرض عقلي؛ حينما يأتيك محصل الكهرباء بالفاتورة لتجدها برقم باهظ، ولو اعترضت هيقولولك”أصلها كهربا مستوردة من أثيوبيا”، وانت تعلم جيدا ما الذى تعنيه كلمة “مستورد”؛ عندما تحل على مسامعك فإنها تعنى أن”تبيع عفش البيت من سكات عشان تدفع”!

سؤال أقل من بديهى يدور فى عقلى الآن، ولا بد أنه يدور فى عقل الألوف:”أين  الحل السياسى؟”

هل الحل السياسى فى رمى مايك قناة الجزيرة فى كل اجتماع لبحث شأن سد النهضة يا وزير الخارجية!

إذا كانت الاجابة “لا”، فأين نتائج هذه الاجتماعات؛ لكى نستبشر بها؟

إذا كانت الاجابة” نعم”، فهكذا تكون الكارثة مائة كارثة حتمية!
و”أين الحل العسكرى؟” باعتبار من يحكم مصر حاليا كان رجلا عسكريا، “هل جيش مصر العظيم ومحارب الأرهاب الأول والأخير فى العالم والتي تخشى مواجهته كل جيوش العالم لا يملك هو أيضا حل عسكري؟ وهذه ليست سخرية لا سمح الله فلا توجد مناسبة يذكر فيها اسم الجيش المصري، إلا ليتم نعته تلقائيا بحامى حمى البلاد، أعلم جيدا أن الحل العسكرى الآن أصبح حلا ساذجا بعد توقيع السيسى على اتفاقية السد فى مارس 2015 وتقديمه لهم على طبق من ذهب وهو يعد اعترافا رسميا وتاريخيا كانت تحلم به أثيوبيا دائما،لكن أيضا إذا اعتبرنا أن الإجابة “لا” فنحن نعيش فى كذبة، لابد من الاستيفاق منها حتى لا نصبح أضحوكة سيملأ منها التاريخ صفحات عديدة، وستمل منها أجيال قادمة من كثرة الضحك، دعوا التاريخ يملأ صفحات قليلة مضحكة عنا

وإذا كانت الاجابة ” نعم” فماذا ينتظرون إذن؟

كيف بعد كل هذا الاتفاقيات التاريخية تأتى اتفاقية مارس لسنة 2015 التى وقع عليها السيسى لتلغيهم بكل بساطة واستهانة؟ وبأى حق: هل حق من وقع على المعاهدة أم حق من سيدفعون الثمن مضاعفا من شعب حال وجيل قادم.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد