أن تحارب الفساد في جميع المجالات في بلد متخلف يلزمك أن تمتلك الشجاعة الكبيرة حتى تتمكن من مواجهة التحديات والعقبات التي يضعها مناهضو التغيير لكل خطوة يقدم أي سياسي عليها من أجل تغيير أوضاع البلد، لكن نظرة السياسي للأمور  وهو خارج منظومة الحكم والتسيير مغايرة تمامًا لما هو عليه الواقع. لهذا فأي محاولة غالبًا ما تكون غير مكللة بالنجاح ويكون الفشل حليفها.

محاولة أي زعيم مهما اكتسب من كاريزمة سياسية، تأسيس أي حزب أو منظومة لمواجهة القوى الفاسدة، سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي، يدرك أن الفساد المستشري نابع من مجموعة من القيم التي تم غرسها في لاوعي الشعب صغيرهم وكبيرهم، فقيرهم وغنيهم. قيم تبرر للناس أخذ كل شيء، رغم أنه ليس من حقهم، والاعتداء على الملك العمومي؛ لأنهم يشعرون بأن كونه ملكًا عموميًا لا يستفيدون منه، إنما هو في يد طبقة محددة تستفيد منه دون غيرها. أمة أو شعب رضع مثل هذه المفاهيم والقيم الثقافية من ثدي أمه، هو من يقوم بإنتاج نخبة جديدة تصل إلى الحكم، وهي التي تسير الشأن العام، نخبة كهاته عوضًا عن أن تجعل من أولوياتها مصلحة من صوت لها ستضع نصب عينيها مصلحتها الخاصة في أولى أولوياتها، سواء كان برلمانًا أو نخبة مثقفة من كتاب وفنانين الذين سيكون همهم الارتقاء على شعب مسحوق ليتكرر السيناريو لعقود متتالية؛ لأن الأصل فاسد، ولا ينتج إلا ما هو أكثر فسادًا، والحال أن المغرب لا يخرج عن هذا النطاق، وكل الدول المتخلفة؛ لأنه في بلد يدعي أنه يسير على النهج الديمقراطي في تسيير الشأن العام فينظم انتخابات أقل ما يقال عنها أنها صورية قد تكون نتائجها معروفة مسبقًا، وإن حصلت أي مفاجأة فإن الدولة العميقة تسطيع تليين كل من حاول السير عكس التيار السائد.

 المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان التي كفلها الإعلان العالمي، بدت أنها لا يمكن أن تطبق على كل المغاربة، وأن أساس الملك هو العدل ليست صالحة لكل بلد، المغرب قد حاد عن طريق الصواب عندما وزع ثلاثة قرون من السجن على 20 شخصًا طالب بأبرز ضروريات العيش العادي، وليس الكريم. حراك الريف الذي كتبت سطوره بدماء بائع السمك محسن فكري الذي مات مطحونًا في حاوية نقل أزبال وما تبعه بعد ذلك من الاعتقالات في صفوف المتظاهرين ينتهي مسلسله أخيرًا بتوزيع ثلاثة قرون من الحبس في زنازن المملكة على 20 شابًا في ريعان الشباب، ويقتل معه أمل بلد قال إنه تنفس الصعداء بشباب أصبح قادرًا على مواجهة ديناصورات انقرضت، لكن تركت أذنابها تعيث في الأرض فسادًا.

كيفما كان الحال فإن القاضي الذي أصدر الحكم على المتظاهرين سيبقى وصمة عار في جبين بلد قال إنه انقطع عن عهد سنوات الرصاص، عندما ادعى قدم لنا برنامج الإنصاف والمصالحة كاعتراف بما فعله في حق شعب أعزل سنوات ماضية، ودخل في عهد الحرية والحقوق، لكن الواضح أننا بعد انتخابات البرلمانية الأخيرة، وما وقع  للحكومة من البلوكاج ينبئ بالعودة سنوات إلى ما وراء الربيع العربي، وبالتحديد قبل 2011، وتجلى ذلك في القبض على الصحافي توفيق بوعشرين، وقبله ما وقع لمتظاهري الخبز الأسود في جرادة، إلا دليلًا واضحًا للعيان لما كانت ستؤول إليه الأوضاع في المملكة، هذه الأحكام تؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن الانتكاسة الحقوقية في المملكة مستمرة، ولا تبدو أية انفراجة للأزمة في الأفق، كل ما في الأمر أن وضعية حقوق الإنسان صارت أكثر سوءً من ذي قبل، هل قطعنا مع عهد سنوات الرصاص، لنعود إلى عهد سنوات القرون من السجن؟ لقد صار الناس يهابون السلطة، رغم أنهم لم يفعلوا شيئًا، فلترحموا هذا الوطن قبل أن ندفنه في قلوبنا.

إن الوطن غفور رحيم، جملة قالها الملك الراحل الحسن الثاني، وهو الذي عرف عنه أنه لا يعير أي اهتمام لحقوق الإنسان، كان من الأولى لمن أسند لهم حرية النطق بالأحكام في حق معتقلي الحراك وطالبوا بأبسط حقوق العيش الطبيعي أن يأخذوا مضمونها بعين الاعتبار؛ فلا يعقل أن يخرج شباب يطالبون بمستشفى أو مستوصف ومدرسة، وهي أبسط أمور يمكن للدولة أن توفرها لأي مواطن دون حاجة للخروج في مظاهرات، أن يقابل بتلك الهمجية في الحكم، ومهما قيل إنهم على علاقة بالخارج، وإن كنت لا أستسيغ ذلك، فلا يعني أن تستعمل الدولة تلك الأساليب وذلك الجبروت في حق المواطنين. وإذا كانت الدولة حقًا تريد أن يكون هو وغيره عبرة لغيره، فمن الأولى أن تقبض على من نهب جيوب المواطن، وسرق أكثر من 17 مليار درهم، أي بما يكفي لجعل المدينة التي كانت مسرحًا للاحتجاجات جنة فوق الأرض، لكن القبض على المجرمين يبدو أن ذلك لن يقع في بلد لا زال ينتج نفس الوجوه ونفس الخطاب السياسي، وبعد الممات يورث للأبناء؛ لكي يستمروا في نهج السلف. لهذا فلم يعد أمامنا أي خيار سوى الترحم على وطن مات، وماتت معه جميع الآمال لننتظر سنوات عجاف لعل طائر الفينق يبعث من جديد، ويحيي آمال جيل يبدو أنه دجن هو الآخر.

الجمعيات الحقوقية والمثقفون الذين من المفروض أنهم يدافعون عن الشعب، ويقفون إلى جانبه في مواجهة السلطة القمعية، سكتوا وكمموا أفواههم خوفًا على أرصدتهم وامتيازاتهم التي منحتهم إياها دولة تقمع شعبها لكي تؤمن العيش لأناس همهم هو ملء بطونهم وأرصدتهم، الإعلام الرسمي هو أيضًا شريك في المهزلة التي وقعت؛ فلا أحد قال كلمة حق.

جنازة الوطن أقيمت يوم حكم على المواطنين الذين خرجوا مطالبين بحقهم في العيش، ويوم طالبوا بتوفير فرصة في التشغيل دون رشوة، وتعليم يجعل من المدرسة أمًا قادرة على إنجاب نجباء، وأبناء أبرار قادرين على الوصول إلى عمل يحفظ كرامتهم، ويجعل بلدهم في مصاف البلدان التي تحترم مواطنيها، لكن خريجي الجامعات والمدراس العامة لا مكان لهم في سوق الشغل بالمملكة المغربية، إلا من ساعده حظ، ومن جانبه الحظ فإنه سيوقع على عقد عمل لمدة سنتين قابلة للتجديد بدعوى تشجيع الموظفين على العطاء أكثر في مجال عملهم، لهذا فلا يجب أن نخجل إذا رأينا أساتذة يعنفون، أو تلاميذ يسبون أساتذتهم، ومواطنين يرون في الملك العام غنيمة يجب الفوز بها عوضًا عن الحفاظ عليها.

لكن كل شيء قد تطلبه وتتمناه في هذا البلد لن يتحقق، لهذا فإعلان الحداد صار واجبًا، والصلاة على الحقوق هي فرض عين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد