لم ينته الإنسان إلى حد هذه اللحظة من البحث والتقصي عن شواغله وحاجياته المادية والروحية التي تمكنه من الاكتشاف. اكتشاف بواطن الروح، قضايا الفكر وخفايا الكون، إلا أنه في ظل واقع اجتماعي صعب ومرير سيمتثل الأخير أمام مسار شامل من التحولات العلائقية المرتسمة مع محيطنا العائلة، الجيران، شيوخ القوم وكبار العشيرة، ليجده نفسه كائنًا مسيرًا خاضعًا لفكر وتوجه عام وليس خاصًا، عادات الغائبين وتقاليد أصحاب القبور، لم يخلق لنفسه فكرًا ومنهجًا يرنو به من نار الكبت والتخفي نحو بحر الكلمات. بحر يختار فيه الإنسان سفينته لتحمله نحو جزر الأدب والشعر، شواطئ النحو والفلسفة. لنتامل هذا المشهد بكل موضوعية ألسنا كائنات خلقت بحمل مسبوق ورثناه أجيالًا عبر أجيال حمل آدم وموسى عليهم السلام. لقد وعوا بنصيبهم من الحياة أدركوا مصير الإنسانية رموا بسهام الفكر والاستدلال المنظور بخفايا الكون وسحره. لقد أدركوا مشروعية الحرية والفكر فبعضنا يخاف أن يفكر لأنه إذا فكر فقد يتبدل كل كيانه الفكري ويستوحش من كل تاريخ التخلف الذي عاشه.

هل أصبحت نظرة المجتمع عائقًا لنا؟ هل أدركنا حقيقة الوجود؟ هل نحن أصحاب فكر؟

إن خوض جل العلوم في المسائل الحياتية المتعلقة بالإنسان من قيم تراوحت بين النسبي والمطلق والممارسات اليومية التي ساهمت في نحت نسيج علائقي تكونت عبره الأمم أكد لنا أن حاجة الإنسان لا تقل درجة عن عطائه المرجو فلو تماشى العطاء مع الاستحقاق لأصبحنا أرقى الشعوب في عصر العولمة والإمبريالية العالمية، إلا أن جهلنا بواقعنا هو أحد الأسباب التي فوضتنا في هذه اللحظة إلى سرقة أفكار الغرباء والمحدثين من الباحثين الذين كبلوا حقيقة الإنسان وهويته لينذروا بشؤم قيم بنوها وتبنوها لتصبح بعض الأفكار داء الإنسانية وليس العكس.

لم نعقد قادرين على المفارقة بين الصواب والخطأ فجل الاتجاهات الفكرية والأيديولوجية سيطرت علينا وأفقدتنا الرغبة نحو تحقيق مركزية ثقافية عربية وأصبح بذلك المفكرون والعقلاء مكبلين من قبل مجتمعات الجهل والتحقير فحشد العقلاء أمر معقد أما حشد القطيع فلا يحتاج سوى راع وكلب كما أورد شكسبير.

 فبإهمال أصحاب الجاه والأهواء لأصحاب الفكر دمر هذا الحشد ولم يكتشف سر ممارساتهم وتحولاتهم الروحية بل وضعوهم موضع الزندقة والخيانة لأن البعض يخاف أن يفكر لأنه إذا فكر فقد يتبدل كيانه الفكري ويستوحش من كل تاريخ التخلف الذي عاشه. إذًا يجب معالجة مسألة التعصب وفتح عقولنا لجل الثقافات فعراب الميتافيزيقا أرسطو كتب أن العقل الضيق يقود إلى التعصب وأبرز أن الفعل الخير يسمو بالإنسان إلى عالم الفكر والمعرفة فالروح بسموها ترنو بالأخير إلى عالمه المفقود عالم المثل والحقيقة. فأي بناء لطرح أو فكر يجب أن يخضع لمنطق المصلحة والشمولية فالتقصي في شأن المعتقدات والأفكار مكن أسلافنا من تحقيق ثروة علمية واقتصادية. يجب علينا البحث عن ميولاتنا، عن طريق يتلاءم مع حالتنا النفسية يتماشى مع وعينا بالمسؤولية، وعينا بغبائنا فكلما ازداد الإنسان غباوة ازداد يقينًا بأنه أفضل من غيره.

إن كل المفكرين والفلاسفة بلغوا حدًا مهمًا في رحلتهم نحو إيجاد الحقيقة، حقيقة الإنسان وممارساته، حقيقة أنتروبولوجية. إلا أن اختلافهم لم يحد من إيجاد الحل بل نمى لدينا رغبة طرح الأسئلة، رغبة التغيير والكتابة رغبة المسير نحو النفس ومصارحتها لعلنا نكتشف حقيقة الوجود والاختلاف.
فالاختلاف في الرأي ينبغي ألا يؤدي إلى العداء وإلا كنت أنا وزوجتي من ألد الأعداء – غاندي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك