أي بُنيّ، أحدِّثك من عام الجائحة أو ما أريد أن أُسمِّيه عام الجنازة، وأنا لا أعرف إن كنتُ سأصمد حتَّى نهاية هذا النصِّ دون خبر وفاة أو دون أن أكون أنا في عداد الموتى. إنِّما نحن في الشهر الأخير من عام عن ألف سنة عِجاف آملين أن يكتب الله لنا بعده عام نُغاث فيه.

أصابنا مرض لعين، لقد شهدنا طاعون هذا العصر و انتشر فينا كالرياحِ العاتية، حاربه الفقراء بقماش ملابسهم، والأغنياء بالطائرات والعزل والفنادق، ولكنّ الموت والمرض لا يقف عند حدود وارتفاعات، ولا يسأل عن مناصب وأسماء، لقد جرَّدنا هذا المرض من طبقيِّتنا ومرَّ علينا بالتساوي، وأزال الستار عن الفساد والفوضى التي كنَّا نغرق فيها كلَّ يوم، فأدركنا أنَّنا مصابون بأمراض أكثر خطرًا بمراحل من مجرَّد هذا الألم.

وكما تعرف فكلُّ ما يصلُ الناس تتخلله الإشاعات وتفيض فيه الأقاويل، منهم من قال إنَّه فيروس مصنَّع بمؤامرات غربيَّة تهدف للقضاء على البشر والسيطرة عليهم بأدوية تجعلهم محكومين، ومنهم من قال إنّه تطوَّر عن فيروسات أقلَّ منه، وقالوا أيضًا إنَّه بسبب انبعاثات التطوُّر التكنولوجي، وهكذا والحديث لم يتوقَّف بعد، والأرواح ما زالت تنزف ثانيةً تلوَ الأخرى.

البشر انقسموا وتشتتوا وتقاتلوا على لقمة العيش ورغيف الخبز، دخلنا صراعات بشريَّة قديمة بطرقٍ حديثة وأزهقنا أرواح بعضنا بعضًا دون شفقة أو تفكير، تمسَّك السَّادة بكراسيهم وناموا على أموالهم، كنّا شيئًا فشيئًا نتحوَّل إلى غابة، خسرنا امتحان إنسانيَّتنا ونجا منه كلُّ من حافظ على جذور فطرته الخيِّرة ولم يتعثَّر بمستنقع هذه الفِتن والمغريات.

تسألني الآن لِمَ أُسمِّيه عام الجنازة؟

لقد بدا الأمر وكأنَّنا نسير في جنازة أبديَّة في كلِّ خطوتين نحملُ على أكتافنا شخصًا آخر منَّا .هُنا حيث نحن الآن، تُصبحُ آمِلًا أن يكون صباحًا خيِّرًا تحملُ الهموم التي أنزلتها عن عاتقك عند عتبة الباب، ما إن تفتح هاتفك حتَّى تتدفق منه شاشات سوداء، ودموع حارقة، وتعازٍ في كلِّ مكان، بين أمَّهات يُصبِّرهنّ وحي الرحمن على الفقد، وبين أبناءٍ ينتزعُ الموت أمانهم، ستغلق الهاتف وتتنهَّد نافضًا شبحًا مرعبًا يحوم حولك، لا ينتهي ذلك حتّى تجد نفسك تطأ حزنًا جديدًا ودموعًا أخرى.

كلُّ ذلك وهذا المرض منعنا بيوت العزاء فيسافر الميِّت إلى قبره منفردًا، ليس حوله إلّا الشيخ وشخصان أوثلاث يحفرون له منفاه الأخير، والبقيّة في بلادٍ مشتتة تحول بينهم الحدود والجائحة ويجمعهم الحزن والدُّعاء، إنّه الواقع الحقيقيّ لإيماننا بأنّنا نأتيه فُرادى حفاة إلَّا من أعمالنا المنجيات.

ستكبر لتعرف أنّ استقبال التعازي أصعب من الوفاة بحدّ ذاتها، وأنَّ مواساة الأحياء على مصابهم وفقدهم أعتى من مراسم الدفن، لأنَّ الدفن يواري التراب على جسدٍ ميِّت مرتحل أمّا المواساةُ فإنَّها تنفض الغبار عن آلام الذكريات وتحرم النسيان.

إنَّ هذا بأجمعه سيجعلك تُفكِّر في هون الحياة التي نقاتل لأجلها ونُخفق في تخطِّي أهون عقباتها، ونقابلها بالكدِّ والتعب والحزن المستمرّ، وهي بالكادِ تكون مجرَّد محطَّات عبور، تشتدُّ أكثر ممَّا تلين، فعليك أن تتعلَّم كيف تُحسن السير وتجمِّل السيرة، اتعظ من هاوية الموت واعلم أنَّك غدًا محمول فوق الأكتاف، فلا تقل غدًا لأنّك لا تملكه، ليس لديك أكثر من الآن.

أي بُنيّ، بين المقدِّمة والخاتمة مات مئات الأشخاص، وواحد من عرفتُ عنه وسأدعو لأجله، تعلَّم ألَّا تترك ميِّتًا دون دعاء وإن لم تكن تعرفه، حتَّى لا ينسى الناس أن يصلُّوا لأجلك حين تموت.

إنِّي لأرجو أن تعيش في زمنٍ أفضل من زمننا، وألّا يعاندك العمر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد