نحن من نصنع الحضارة لا الحضارة هي من تصنعنا، ومن أُسُسِ الحضارة الثقة. الثقة بالنفس، الثقة بين جميع طوائف الشعب لا تستطيع جماعة وحدها أن تصنع حضارة ولكن من الممكن أن تصنع مكانة، وهناك اختلاف كبير بين الاثنين إذ في رأيي الحضارة تُصنع بواسطة أيدٍ كثيرة.

الثقة، الوحدة، الترابط، عدم التخوين، الصدق مع النفس قبل الصدق مع الآخرين كلها أسس داعمة للحضارة، وأفضل الحضارات في رأيي لا حضارة الآثار بل حضارة الإنسانية. الحضارة هي نظام اجتماعي يعين الإنسان على الزيادة من إنتاجه الثقافي، وإنما تتألف الحضارة من عناصر أربعة: الموارد الاقتصادية، والنظم السياسية، والتقاليد الخلقية، ومتابعة العلوم والفنون؛ وهي تبدأ حيث ينتهي الاضطراب والقلق، لأنه إذا ما أمِنَ الإنسان من الخوف، تحررت في نفسه دوافع التطلع وعوامل الإبداع والإنشاء، وبعدئذ لا تنفك الحوافز الطبيعية تستنهضه للمُضي في طريقه إلى فهم الحياة وازدهارها.

إذًا هذا هو تعريف الحضارة.

وهناك سؤال يتردد على الأذهان، لماذا تقوم الحضارات وتنهار؟

أبدى الفلاسفة والمؤرخون وعلماء الآثار القديمة أسبابًا كثيرة لقيام الحضارات وانهيارها. وقد شبَّه جورج و. ف. هيجل الفيلسوف الألماني في أوائل القرن التاسع عشر المجتمعات بالأفراد الذين ينقلون شعلة الحضارة من واحد إلى الآخر، وفي رأي هيجل أنه خلال هذه العملية تنمو الحضارات في ثلاث مراحل: 1- حُكْم الفرد، 2- حُكْم طبقة من المجتمع، 3- حُكْم كل الناس. وكان هيجل يعتقد أن هذا النسق تسفر عنه الحرية في آخر الأمر لجميع الناس.

كان الفيلسوف الألماني أوزوالد سبنجلر يعتقد أن الحضارات مثلها مثل الكائنات الحية تولد وتنضج وتزدهر ثم تموت. وفي كتابه انحدار الغرب (1918 – 1922م) ذكر أن الحضارة الغربية تموت، وسوف تحل محلها حضارة آسيوية جديدة. وعرض المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي نظريته عن التحدي والاستجابة في كتابه دراسة التاريخ1 (1934ـ 1961م).

كان توينبي يعتقد أن الحضارات تقوم فقط حيث تتحدى البيئة الناس، وحينما يكون الناس على استعداد للاستجابة للتحدي. على سبيل المثال، فإن الجو الحار الجاف يجعل الأرض غير مناسبة للزراعة ويمثل تحديًا للناس الذين يعيشون هناك. ويمكن أن يستجيب الناس لهذا التحدي ببناء أنظمة ري لتحسين الأرض. ورأى توينبي أن الحضارات تنهار حينما يفقد الناس قدرتهم على الابتكار.

ويذهب معظم علماء الآثار القديمة إلى أن بزوغ الحضارات يرجع إلى مجموعة من أهم الأسباب تشمل البناء السياسي والاجتماعي للحياة، والطريقة التي يُكيف بها الناس البيئة المحيطة بهم، والتغيرات التي تطرأ على السكان، وفي كثير من الحالات يمكن أن تظهر الحضارات لأن رؤساء القبائل المحليين اتخذوا خطوات متعمدة لتقوية نفوذهم السياسي. ويعتقد كثير من العلماء أن سوء استخدام الأرض والمصادر الطبيعية الأخرى أسفرت عن الانهيار الاقتصادي والسياسي للحضارات الأولى.

وإذا قلّبت في صفحات التاريخ ومررت بنظرة عابرة ستجد حضارات اندثرت وحضارات مازالت قائمة حتى يومنا هذا. ومن الحضارات التي ما يزال زوالها سرًا كبيرًا حضارة المايا، رغم زوال هذه الحضارة إلا أن لغاتها وتقاليدها ما تزال باقية إلى يومنا هذا، إلا أن الذروة التي بلغتها هذه الحضارة كانت في الألفية الأولى بعد الميلاد، حيث كانت الإنجازات العمرانية والمشاريع الزراعية الضخمة التي غطت ما يعرف اليوم بيوكاتان (المنطقة الممتدة من المكسيك إلى غواتيمالا في أميركا الوسطى) كأعظم حضارة في أميركا الوسطى زمن ما قبل كولومبوس.

تعتبر حضارة المايا إحدى أهم ثقافات أمريكا الوسطى لأن لها إرثًا علميًا وفلكيًا مشهودًا وهامًا على مستوى العالم. فقد أسهمت حضارتهم بالكثير من الميزات للحضارات الأخرى في وسط أمريكا بسبب التفاعل الكبير ونشر الثقافة التي اتسمت بها المنطقة.

لم ينشأ التقدم كالكتابة، النقش، والتقويم مع المايا فحسب بل تطور بالكامل بعد وقت قصير من البعثات الاستكشافية الأولى للمنطقة، بدأ الإسبان بعدة محاولات لإخضاع المايا الذين كانوا يعادون التاج الإسباني، وأقاموا المستعمرات في أراضي شبه جزيرة يوكاتان ومرتفعات غواتيمالا، من شأن هذه الحملة التي تسمى “الغزو الإسباني ليوكاتان” أن تكون عملية مطولة وخطرة على الغزاة منذ البداية حيث استغرقت نحو 170 عامًا، واستُعمل فيها عشرات الآلاف من المساعدين الهنود قبل سيطرة إسبانيا الموضوعية على جميع أراضي المايا. تسببت كل من الحكومة الإسبانية ومعها الكنيسة بتحطيم وحرق جميع النقوش المكتوبة والكتب ومعها كنز من المعلومات عن المايا وكتاباتهم, كل ذلك بحجة أنها مخالفة للدين المسيحي، حتى وقعت في قبضة الإسبانيين وانتهت حضارة من أعظم الحضارات.

كان هذا نموذجًا لحضارة من الحضارات التي زالت واندثرت، ومن النماذج التي ما زالت موجودة حتى الآن حضارة المصريين القدماء.

تركزت حضارة القدماء المصريينعلى ضفاف نهر النيل فيما يعرف الآن بجمهورية مصر العربية. بدأت الحضارة المصرية في حوالي العام 3150 ق.م عندما وحد الملك مينا مصر العليا والسفلى، وتطورت بعد ذلك على مدى الألفيات الثلاث اللاحقة ضمت تاريخيًا سلسلة من الممالك المستقرة سياسيًا، يتخللها فترات عدم استقرار نسبي تسمى الفترات المتوسطة.

بلغت مصر القديمة ذروة حضارتها في عصر الدولة الحديثة، وبعد ذلك دخلت البلاد في فترة انحدار بطيء. هُوجمت مصر في تلك الفترة من قبل العديد من القوى الأجنبية، وانتهى حكم الفراعنة رسميًا حين غزت الإمبراطورية الرومانية مصر وجعلتها إحدى مقاطعاتها.

استُمِدَّ نجاح الحضارة المصرية القديمة من القدرة على التكيف مع ظروف وادي نهر النيل، وساعد التنبؤ بالفيضانات والسيطرة على أضرارها في إنتاج محاصيل زراعية وافرة أسهمت في التنمية الاجتماعية والثقافية، وقامت السلطات ومع توافر المواد اللازمة باستغلال المعادن الموجودة في منطقة الوادي والمناطق الصحراوية المحيطة به، وقامت بوضع نظام كتابة مستقل، ونظمت البناء الجماعي والمشاريع الزراعية، بالإضافة للتجارة مع المناطق المحيطة به، وتعزيز القوى العسكرية للدفاع العسكري ضد أعداء الخارج، وتأكيد الهيمنة الفرعونية على البلاد. وقد كان تنظيم تلك الأنشطة وتحفيزها يتم من خلال نخبة من البيروقراطيين والزعماء الدينيين والإداريين تحت سيطرة الفرعون الذي حرص على التعاون والوحدة للمصريين في سياق نظام محكم للمعتقدات الدينية.

لم تنتهِ الحضارة المصرية بحكم الرومان بل بقيت راسخة متأصلة في عقولنا وأذهاننا.

من شيدوا الحضارة المصرية انتهوا وأصبحوا غير موجودين في عالمنا هذا ولكنّ ما شيدوه باقٍ حتى هذا اليوم.
هم صنعوا حضارة عاشت آلاف السنين ومازالت قائمة حتى الآن. إذًا ماذا صنعنا وشيدنا نحن من نعيش على أرض هذا الوطن؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد