أصبح المجتمع العربي يمر بمخاض عسير، بعدما كان نظامه الاجتماعي في الماضي قائمًا على أسس وضوابط معينة تهدف إلى حماية خصوصية الفرد والمجتمع، إلا أن الاستخدام الخطأ لهذه الوسائل أدى إلى اختلال هذا النظام وزعزعته، الأمر الذي يتطلب دراسة مكثفة جادة لقضايا اجتماعية جد معقدة، كنا لا نعترف بوجودها سابقًا.

إذا كان الهدف من وسائل التواصل الاجتماعي الاجتماع والمساهمة في بناء مجتمع اختلت موازنه، وأداة للإصلاح، فإنه أصبح في مجتمعاتنا العربية بصفة عامة، والمجتمع المغربي بصفة خاصة، وسيلة ذات أبعاد أخرى، تدفع بنا إلى طرح مجموعة من الأسئلة التي تحير مفكريها ومثقفيها.

لماذا سيطرت التفاهة على المجتمع العربي لتعلن احتضاره وبعد ذلك موته؟ هل الكشف عن المستور من عيوب مجتمعنا سوف يقويه أم سيعري نظامه الاجتماعي ويعرضه للتفكك؟ لماذا تتساهل الحكومات العربية في نشر هذه المحتويات الفارغة شكلًا ومضمونًا؟ هل المجتمع العربي نزيه ونقي حتى ندنسه بهاته التفاهات؟

أصبحنا اليوم أكثر انتماء بالإكراه أو بالاختيار إلى مجتمع موغلٍ في التفاهة والرداءة، معلنين عن الانهيار المجتمعي والإنساني، لتصبح هذه الأداة أداة وأِْدِِ لخصوصيتنا التي أصبحت تحت الخطر دومًا.

اسْتُغِلَّتْ مواقع السوشيال ميديا أبشع استغلال ليحكم فيها التافهون قبضتهم علينا وتنهار قيمنا أرضًا، فيصبح الأقزام أعلى شأنًا ومكانة، ويظهرون بمظهر العمالقة لا لشيء سوى لتفاهتهم، وهم كثر ويزدادون وبوتيرة هندسية، لتتحول هذه الوسائل من نصرة الثقافة إلى نصرة التفاهة.

ففي «فيسبوك» مثلًا، تجد البعض منهم من يسعون لربط علاقات مشبوهة ونزوية عبر أسلاك تذهب بهم إلى دهاليز غير مشروعة، لما تحتويه من تنازلات مهينة، وقصص العشق والغرام الممنوع، ليصل الأمر إلى ما لا يحمد عقباه من خلوات حساسة، تكون سببًا للانحراف والوقوع في الهاوية وجرها نحو الجحيم، حقًّا إنها مهزلة عاطفية.

والمتصفح لمحتويات «يوتيوب» أيضًا يجعلك تتساءل ما الغاية من وجوده؟ ولِم تشجع الدولة نظام الرداءة والتفاهة وتسمح لإنسان تافه وجاهل بأن يصبح مشهورًا، ولو على حساب دينه ومبادئه؟ فيغدو هذا التافه النكرة رمزًا وقدوة في المجتمع، بل صاحب الرأي، والمشورة، والسلطة، والقول، والأمر، والنهي. فتجد من يتصدر الطوندونس (الترند) المغربي مثلًا: نيبا، ساري كول، دنيا بطمة، أدومة، نعيمة البدوية.

نجوم تتلألأ في سماء «يوتيوب»، تستأثر بملايين المتابعات وملايين اللايكات وملايين التعليقات، والملايين من الأرباح، فتجعل منهم قدوة يُضرب بهم المثل في أحاديثهم لا لشيء سوى لتفاهة محتوياتهم التي تزيد الوضع الاجتماعي انتكاسًا وتأزمًا.

وسائل دخلت بيوتنا عنوة، ومن أبوابها الواسعة وبإحكام، فكانت سببًا رئيسيًّا لسيطرة التافهين على هذه الشبكات بتقديمهم لأعمال تافهة شكلًا ومضمونًا، أدت إلى نبذ القيم الاجتماعية وإلغائها، وتسطيح الثقافة والفكر، فحصلوا على المال وخسروا كل شيءٍ، ولا يهم المحتوى بقدر ما تهم الشهرة والنجومية؛ التي أصبحت من نصيب الأكثر تفاهة والأكثر فضائحية، فعلًا وانفعالًا وتفاعلًا، غايته الفضيحة واللامعنى لمحتويات فارغة لا تسمن ولا تغني من جوع، فتجد الزوج يصور أسرته، وتجد الزوجة تصور روتينها اليومي مع إبراز فاضح لمفاتنها، وتجد الذكر يبرز مكياجه وطريقة لباسه، مع تغيير متعمد لتركيبة صوته الخشن، فمنهم من فضح نفسه بعدما ستره الله، وهناك من تمادى في إيذاء غيره من الناس. الكل يسجل حضوره في الواقع والافتراض ليشارك روتين حياته، أسراره وتفاهته أيضًا، فلا الأب صان أسرته، ولا الأم سترت نفسها، ناهيك عن الفضائح الجنسية، والعلاقات المحرمة، والزواج العرفي، والتشرميل وفضح الأسرار فيما بعد.

وكل هذا من أجل حصد الكثير من اللايكات والأرباح، ولو على حساب كرامته، والتهافت خلف شهرة مؤقتة أعمت عيونهم وعرَّت واقعهم الكئيب.

وسائل تحولت من التواصل الاجتماعي إلى الانفصال الاجتماعى، فقطعت أهم صلة بين الناس وهي صلات الأرحام، وقطعت الزيارات فيما بينهم، واستبدلت بها وسائل أبعدتهم بعضهم عن بعض، فجعلت كل فرد له عالمه الخاص به، لنقتل الحياة الاجتماعية ويجعلها فردية بامتياز أنا ونفسي، فيصبح «فيسبوك» و«تويتر» و«إنستجرام» و«يوتيوب» أدوات لأداء واجب العزاء، والتهنئة بالمناسبات السعيدة، وزيارات المرضى والمتمنيات لهم بالشفاء العاجل، والزواج والطلاق، والإعلان عن المشاعر والحب، وفضح الأسرار بين المتخاصمين.

بعدما كان أهل الدار هم فقط من يدرون بحالهم، أصبح العالم يدري عنهم كل شيء، ودون عناء، ويصنفهم أبشع تصنيف لأن المحتوى التافه والتفاهة هو الحكم، فلا المجتمع ستر عيوبه ولا الوجه حافظ على مائه.

في الوقت الذي يجب أن نتساءل فيه عن سبل لتحقيق شيء من المعنى لهذا المحتوى، لمعالجة قضايا ومشكلات الواقع الذي نعيشه، والبحث عن حل نحرر فيه المجتمع من الانحطاط الأخلاقي، وتحليل الواقع تحليلًا منطقيًّا، لإنقاذ مجتمعنا الذي انهارت كل أسسه وقيمه الأخلاقية، وتحريره من مشكلاته التي تؤرقه ومن كل الجوانب.

وفي ظل غياب المسؤولية الأخلاقية، ونشر الإسفاف والرداءة والابتذال، تشوّه المجتمع بسبب هذه التصرفات غير المسؤولة، سقطت الأقعنة وأزيل الغطاء عن المجتمع لتتكشف لنا حقيقة فساده، بعدما استولى التافهون على السلطة.

رغم حاجتنا الماسة إلى التغيير البناء، فإن ثقافة التفاهة وسيطرتها على حياتنا، أنشأت لنا أناسًا يناقشون سفاسف الأمور، فلا الإعلام أبعد عنه التفاهة وحاربها، ولا وسائل التواصل الاجتماعي سلمت من ذلك، فَقُتِلِ الفكر والعلم، ووُضع في حجر صحي، ليصبح مفكرو المجتمع ومثقفون مهددين بالانقراض، بعدما استولى التافهون على أهم المراكز والقرارات، وتحولوا من شرذمة القوم إلى أبطال، لتصبح كلماتهم قولًا مقدسًا لا جدال فيه، بل أصبحوا يتصدرون السلطة، سلطة بلا ضمير ولا تكوين، سلطة المال والجاه وخدمة الذات، أما المجتمع فإلى الهاوية، ليكسب التافهون الرهان، رغم الانتقاد والممانعة والدعوات المستمرة لمواجهة هذا الطوفان الجارف.

إن الحكومات العربية توقفت في مرحلة معينة من التاريخ، لتكرس حركتها في صناعة الفأس والمعول وتقاوم شعوبها، ونحن من حينها تركنا بناء الحياة ونسينا الإنسان وسعينا لنتقن صناعة التفاهة بأشكالها المتعددة، وكان اهتمامنا بسفاسف الأمور لا غير، وما نشاهده في هذه الوسائل خير دليل على أهمية التفاهة وأهمية التافهين، والأعلى مشاهدة أكثر من غيرها من الأمور التي تحتاج إلى حلول استعجالية كالتعليم، والصحة، والشغل، والأمن.

وللتحرر من هذه التفاهة المدروسة، والتي خططوا لها مسبقًا مع سبق الإصرار والترصد، مسؤولية الجميع، وأولهم صناع القرار، لا بد من تضافر الجهود المدنية والقانونية، والتصدي لِلغة الإدارة الفارغة التي تقودنا، وأن نشل من حركة التافهين التي تجعل أغبياءها مشهورين وفي أعلى المراتب؛ فالمصلحة العامة أولى من الخاصة، وأن لا نجعل مجتمعًا بأكمله منشغلًا بموضوعات جل محتواياتها فارغة، ولا تسليط الضوء عليهم وتحويلهم إلى رموز ولو على حساب دينهم وأخلاقهم.

آن الأوان لنكون يدًا واحدة في محاربة نظام الرداءة والتفاهة، وفي العمل الدؤوب للقضاء على الإسفاف والتتفيه والتسطيح في هذه المواقع، ومقاطعة مضامينها الفارغة والتافهة والمبتذلة، وإرساء مضامين هادفة وتوعوية وتثقيفية للحد منها.

العاقل لا يشارك الناس كل شيء، ولا يعبر عن كل ما يختلج صدره عبر منصات التواصل، بل يحتفظ بشيء من خصوصيته لنفسه، وحدٌّ من حدود الانضباط الاجتماعي الذي رعاه الدين الإسلامي، فلكل تصرف حدود، لأن الحرية المطلقة إذا مست مجتمعًا في مبادئه وأعرافه أصبحت فوضى، والحرية الفردية قبل أن تكون تصرفًا شخصيًّا فهي مسؤولية والتزام أخلاقي له خصوصيته، وهذا ما غفل عنه التافهون الذين تخطوا حدودهم تحت مسمى الحرية الفردية لتصل إلى مبادئ المجتمع، فأصبح كل إناء بما فيه ينضح.

في مواقع التواصل الاجتماعي لا يهم، اسمك، ولا عمرك، ولا عنوانك، ولا موطنك، ولا مكانتك الاجتماعية، الذي يهم هو حرفك وما تطرحه من أفكار تهدف إلى إصلاح المجتمع ولمِّ شمله، ما يهم هو أسلوبك، أخلاقك في الحوار واحترامك للآخرين، وما رسالتك في هذه الحياة؟

مواقع أوجدت لنكون فيها كالجسد الواحد، نكتب فيها أو نتكلم عن شيء نعيشه، عن أمل، عن هموم، عن قضية، عن معاناة، عن ألم.

حاربوا انتشار التفاهة في السوشيال ميديا، ولا تجعلوا من الحمقى والسذج مشاهير، ارتقوا قليلًا بموضوعات هادفة وبناءة؛ فالقاع قد امتلأ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد