لا جدال في أن اللغة العربية هي لغة القرآن الكريم، كما أنهّا هي اللغة التي نطق بها سيّد الأنام محمد بن عبد الله بن عبد المطلّب -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين- إضافة إلى ذلك هي اللغة التي نؤدّي بها الصلوات الخمس المفروضة، وكذلك المسنونة منها كالنوافل، وصلاة التراويح في شهر رمضان المبارك، والتهجد، وصلاة الخوف والاستسقاء وغيرها، وتلك الصلوات واجبة على كلّ مسلم مكلّف عاقل وبالغ في جميع أنحاء العالم، ممّا لاشكّ فيه أنّه لا دولة في العالم إلا وينطق بالحرف العرف العربي فيها، إذ لا يجوز شرعًا أداء الصلاة بترجمة نصوص القرآن الكريم إلى لغات العالم؛ يعني لا يجوز شرعًا تلاوة القرآن معنى دون لفظ، باللغة الإنجليزية، أو الفرنسية، أو اليابانية، أو الصينية، وهذا يؤكّد المذكور آنفًا أن هذه اللغة العربيّة غطّت الدّنيا كلّها، بغض النظر إلى حجمها في تلك البلاد في العالم.

ولقد كرّم الله العرب وأعزّهم بالقرآن الكريم والدين الإسلامي، لولا هذان العنصران لما كان للعرب ما تجلب نفوس الناس ورغبتهم إليهم، إذ إنّ العرب مجتمع عادي مثل مجتمعات أخرى كالأفارقة، والهنود، والروس، والفرس، والروم، والجرمان، والمغول والتتار، والبيزنطيين، والقوقاز، والبنغال، وغيرهم من أمم أو مجتمعات العالم، لكنّه ما دام الإسلام نزل في جزيرة العرب، والرّسول من قبيلة قريش التي كانت خادمة للكعبة المشرفة من حيث السدانة، والرفادة، والسقاية؛ فاختار الله من أبنائها رسولًا إلى الناس كافّة، فهذا هو الشرف العظيم الذي أكرم الله به العرب والمسلمين، وإن قال الرّسول – صلى الله عليه وسلّم- عدلًا وتواضعًا: «لا فرق بين عربي ولا أعجمي إلا بالتقوى»، هذا يدلّ على مصداقية وإخلاص رسالته، لم يجعل الرّسول الإسلام حكرًا لقبيلته كما هو عليه اليهود، وإنّما أدى أمانته النبوة والرسالة إلى الناس كافة غض النظر إلى بشرتهم، ولغاتهم، ومناطقهم، كما غض النظر إلى حال هذا المجتمع: علماء كانوا أم أميّين، سادة أم تابعين، أصحاء أم مرضى، شبابًا أم شيوخًا، رجالًا أم نساء، أم الصبيان، إلا الذي عمره تحت سن البلوغ، لكن يتربى إسلاميًّا عن طريق غير مباشرة من البيئة الإسلاميّة المحيطة به، كما أنّ المجنون أو الكائنات غير العاقلة كالحيوانات، هذا الصنف غير مكلّف بأي أمر من أمور الدّين الإسلامي، ذلك أنّ الإسلام يخاطب الأفئدة باللفظ والمعنى مع الأدلّة والبراهين، كما يطالب العقول بالتفكير وتدبر آيات الله تعالى الظاهرة المرئية في الكون، مثل: السماء والأرض، والأنهار، والجبال، والتراب، والهواء الذي يؤكد وجوده من خلال حركاته، بل هبته القوية التي تسقط الأشجار والبيوت، كذلك الشمس، والكواكب، والنجوم، والأقمار عمومًا «درب التبانة» التي تسمّى بالإنجليزية «Galaxy»، وهي مجموعة كبيرة جدًّا من الكواكب والشموس في الفضاء، وما في الأرض بحار ومحيطات، وما تحت الأرض من صخور، ووقود، وماء، وغازات، وذهب، وفضة، وحديد، ونحاس، وقصدير، وألومنيوم، وبوتاسيوم، وصوديوم، وسليكون، وغيرها كثيرًا من مخلوقات الله – عز وجل- وكما يدعو الإنسان إلى معرفة الله الذي أوجد هذا العالم الذي يعيش فيه، وأوجد عوالم أخرى، التي لم يجعل للإنسان القدرة على رؤيتها، وهو على قيد حياته، كالبرزخ، والجنّة، والنّار، والحساب، والجزاء، حقيقة لم نكن لنعرف هذه الظواهر كلها إلا من أجل رحمته الواسعة، أن أرسل إلينا رسولًا أمينًا شاهدًا على نفسه، يهدي النّاس كافة إلى سبيل الهدى والتقى باللغة العربيّة، أعني بها «حرف الضّاد».

نحمده سبحانه وتعالى حمدًا كثيرًا على هذه النعمة التي أنعمها على الأمة العربيّة المؤمنة وعلى الإسلاميّة قاطبة في جميع أنحاء المعمورة.

على هذا الضوء، مستقبل اللغة العربيّة والدين الإسلامي في أفريقيا لا غبار عليه إن شاء الله تبارك وتعالى القائل في محكم تنزيله: «إنّا نحن نزّلنا الذّكر وإنّا له لحافظون».

ما المقصود بالذكر هنا يا جماعة؟ هل هو ما يرى بعض الفقهاء بأنّه القصور على التحليلات، والتسبيحات، والحمدلات، والحوقلات؟ نعم بالتّأكيد هذا نوع من الذّكر، لكنّ المقصود في هذه النّصوص هو «القرآن الكريم»، ذلك أنّ الله سبحانه وتعالى أنزله منجّمًا على سماء الدّنيا في شهر رمضان المبارك وكذلك في قوله تعالى: «ألم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ» السجدة، آية: 2، وفي قوله: «تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5) لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6)» سورة يس، الآية 6، ثمّ قال: «تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ» سورة الأحقاف، الآية 2، والآية نفسها في سورة الزمر، الآية 1، وسورة الجاثية الآية 2.

فالقرينة التي تدلّ على أنّ الذكرَ هو القرآن الكريم هي اللفظ الذي يأتي خبرًا مقدّمًا في «تنزيلُ» ومرّةً يأتي مفعولًا مطلقًا في «تنزيلَ» ومرّةً يأتي فعلًا ماضيًا في «»نَزّل» في قوله تعالى: «نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ» سورة آل عمران، الآية 3، ويأتي مبنيًّا للمجهول على صيغة «أُنزل» في قوله تعالى في سورة البقرة: «وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ» الآية 4، كما يأتي على صيغة المبني للمعلوم «أَنزَل» أوّل الآية في قوله تعالى: «وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين» سورة البقرة، الآية 91. وقد يأتي منصوبًا على الحالية «تنزيلًا» أو مفعولًا مطلقًا جاء من لفظ نزّل ذلك لتأكيد الكلام في قوله تعالى: «وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا» سورة الإسراء، الآية 106، فهذه كفاية لمن مسك بالجانب الواحد فقط في مفهوم الذكر أنه هو تكرار كلمة «لا إله إلا الله» على رأس كلّ صلاة، وأيضًا الجلوس للورد بالذكر، كما يفعله إخواننا التيجانيون، لا بأس به ما دام أنّ هذه الظواهر كلّها فرع من فروع الدين الإسلامي اجتهادًا في العبادة فقهًا ومذهبًا فلا بأس، المشكلة في الأصول التي يعرفها كلّ مسلم ومسلمه أهمّها: أركان الإسلام الخمسة، وأركان الإيمان الستّة، على ملّة أهل السنة والجماعة، هم الصوفيون، والتجانيون، والوهابيون، والقادريون، وغيرهم باستثناء الشيعة المتطرفة، ولا يجوز لمسلم أن يطعن غيره بشكل يؤذيه أو يقاتله، مع أنّه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ سيدنا محمد عبده وسوله، بعد ذلك فبذلك فليتنافس المتنافسون إلى جنة الفردوس، والكلّ له ما كسب وعليه ما اكتسب، أما تكفير النّاس وإدخالهم في النّار وهم أحياء، فهذا لا يوطّد علاقاتنا، ولا يجمع شملنا، وإنّما يجعل مستقبل الدّين الإسلامي والأمّة الإسلامية على خطر، تسودها الكراهية والعداوة، إذا ما راجعنا أخلاقنا أو عالجنا ضمائرنا أو أصلحنا صدورنا بغية جلب روح الأخوّة الإسلاميّة إلى صدورنا؛ لتسود المحبّة والرأفة والرّحمة بيننا كأمّة إسلاميّة واحدة في الأصول ومختلفة في الفروع أو الأفكار، وهذا من خاصية الإنسان ولا بد منه.

يمكن التنبيه أنّ الكاتب لم يخرج عن الموضوع مستطردًا بل هو في لبّ الموضوع الذي تتناول في طياته «مستقبل اللغة العربيّة والدين الإسلامي في بلانا الأفريقية خاصة وفي العالم كلّه بشكل عام».

على أيّ حال فالغرض هنا الإشارة الواضحة إلى كلام ربّ العرش والملكوت «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون» سورة الحجر، الآية 9، كما تؤكّد هذه الآية الكريمة أنّ الله سبحانه وتعالى وعدنا بحفظ ذكره ألا وهو القرآن الكريم، لقوله عزّ وجل: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا» سورة الإنسان، الآية 23، والشاهد البلاغي والمنطقي هنا هو أنّ للغة العربية مستقبلًا زاهيًا بإذن الله سبحانه وتعالى في القارة الأفريقية خاصة وفي العالم عامةً؛ ذلك لعلاقتها الوثيقة مع الذكر الذي هو «القرآن الكريم» قال تعالى: «إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» سورة يوسف، الآية 2، وأخيرًا قوله تعالى في سورة القدر «إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ» الآية 1، كما أنّ جبريل – عليه السلام- تحدّث باللغة العربيّة بكلّ وضوح على مسامع الصحابة الذين كانوا حوله جالسين لما نزل عليه جبريل – عليه السلام- ليعلّمهم أمور دينهم عن طريقة أسئلة، ما الإسلام، وما الإيمان، وما الإحسان، وما علامات الساعة؟ كما أجاب عن السؤال الأخير بنفسه، قائلًا: أن تلد الأمة ربّتها، وأن ترى الحفاة والعراة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان، ولم يكتشف الصحابة – رضوان الله عليهم- أنّه الملك جبريل إلا بعد أن غادر؛ فبيّن لهم سيّد الأنام أنّه هو، وقد جاء ليعلّكم أمور دينكم، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، هذه الألفاظ الفصيحة الواضحة نطقها سيّدنا جبريل – عليه السلام- بلسانه جهرًا لا وحيًا على مسامع الشاهدين.

وسوف ندخل إلى جوهر الموضوع دراسة وتحليلًا وحلولًا في الأجزاء التّالية لهذا المقال بإذن الله تعالى.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد