مستقبل الشرعية في مصر بعد اغتيال الرئيس مرسي

وما زالت المعركة بين الحق والباطل قائمة، وما زال الانقلابيون ينكلون بالثورة والثوار تسفيهًا وتشويهًا، وقتلًا وتشريدًا، ومطاردة وتهجيرًا، وما زال الأحرار يجاهدون في سبيل انتزاع حريتهم المسلوبة، وإرادتهم المغصوبة، وما زال حلم لهم ولد في الخامس والعشرين من يناير (كانون الثاني) يداعب مهجهم في يقظتهم ومنامهم، وطعامهم وشرابهم، وحركتهم وسكونهم، حلمهم الذي ضحوا في سبيله وما زالوا يضحون بأعز ما يملكون من أموالهم وأمنهم، وراحتهم ودمائهم، حلمهم بدولة مدنية ديمقراطية حديثة على قواعد الإسلام ترتكز، وفي سبيله تجاهد، الحرية مناخها، والعدل خلقها، والعدالة شعارها، والعيشة الهنية والكرامة الإنسانية هدفها، ولم لا؟ وقد ذاقوا حلاوة جهادهم، ورأوا بأعينهم ثمرة كفاحهم في خمسة استحقاقات انتخابية متتالية، فكتبوا بأيديهم دستورهم، وكونوا بأنفسهم مجالسهم النيابية التي تعبر بصدق عن إرادتهم، وأصبح لهم رئيس منهم يشعر بهم، ويهتم بأمرهم، همه همهم، وحلمه حلمهم، وأمله أملهم، وطموحه طموحهم، يهتم بضعيفهم قبل قويهم، وصغيرهم قبل كبيرهم، وبعيدهم قبل قريبهم، ذاقوا في كنفه طعم الكرامة، وتنفسوا نسائم الحرية، وعرفوا معنى العدالة، كلامهم عنده مسموع، وآراؤهم عنده معتبرة، وإرادتهم عنده أمر عليه أن يسارع لإنفاذه، وهو بهم لا بغيرهم، وهم به أو بغيره.

حتى جاء المجرمون وبددوا حلمهم، وأهدروا إرادتهم، فعطلوا الدستور، وحلوا المجالس النيابية، واعتقلوا الرئيس وحكومته، ونكلوا بأنصاره، وبذلوا جهدهم لكسر إرادة الأحرار إرهابًا وتخويفًا، والأحرار مستميتون في الدفاع عن حلمهم، يضحون في سبيل ذلك بالأرواح والأموال، وكل رخيص وغال، مستمدين قوتهم من قوة رئيسهم، وصمودهم من صموده، معلنين بملء أفواههم ألا رئيس لنا غيره، ولا نعترف بشرعية غير شرعيته، حتى جاء المجرمون في نفس يوم فوزه بالرئاسة، وبعد سنوات ست عجاف، وذبحوه أمام العالم كله، وبهذا الإجرام الفج، وأرادوا مع ذبحه أن يذبحوا حلم الأمة، فهل تراهم نجحوا في ذلك؟ وما مستقبل الشرعية بعد استشهاد فخامة الرئيس؟

ست سنوات عجاف مضت على اعتقال فخامته، وعلى الهتاف بشرعيته، بذل الأحرار فيها قصارى جهدهم لتحرير إرادتهم، وحققوا فيها نجاحات لا ينكرها إلا جاحد أو يائس، فدولوا قضيتهم شعوبيًّا، وعروا الانقلاب أمام أنصاره والعالم، وفضحوا جرائمهم رغم ضعف آلتهم الإعلامية، واستطاعوا أن يفضوا الكثيرين من أنصاره من حوله لينضموا إلى معسكر الشرعية، واستطاعوا أن يصمدوا أمام بطشه وتنكيله كل هذه السنوات بغير أن ينحرفوا، كما كان يراد لهم، عن مسارهم السلمي في التغيير، إلا أنهم لم يستطيعوا أن ينهوا الانقلاب حتى الآن، رغم مرور كل هذه السنوات، ورغم حجم التضحيات التي قدمت، ولم يكن ذلك إلا بسبب اختلافهم بعضهم على بعض، وعدم وجود رؤية واضحة تجمعهم بعد أن طال عليهم الأمد، وزاد حجم التضحيات، واكتشفوا أنهم يواجهون مؤامرة عالمية ما النظام الفاجر إلا أداة من أدواتها، فاختلفت الرؤى بين متعجل لقطف الثمرة، وجامد لا يقبل التطوير، ومحبط قد يئس من التغيير، فآثر القعود والتنظير.

وإذا بنا نسمع دعاوى التخلي عن شرعية الرئيس، وحولها البعض إلى عقبة أمام الاصطفاف، إذ إن الكثيرين من هؤلاء كانوا ممن خرج ضده في الثلاثين من يونيو (حزيران)، إلا إنه لم يرض بانقلاب الثالث من يوليو (تموز)، وتغافل هؤلاء وغيرهم عن أن شرعية الرئيس كانت هي المكسب الوحيد المتبقي بعد الانقلاب على إرادة الأمة، وأن صمود الرجل أمام إجرام الانقلابيين متمسكًا بشرعيته كانت هي العقبة الكؤود أمامهم، بل إن صموده المبهر هذا كان أشد عليهم من ألف تظاهرة، إذ إنه بكلمة تأييد واحدة ينتزعونها منه فلن يصبح لأي حراك نقوم به قيمة تذكر، ولكنه وعد فأوفى، وحافظ على هذه الشرعية التي ائتمنه عليها شعبه حتى استشهاده، لترجع الأمانة إلى أصحابها غير منقوصة، وتؤول مرة أخرى إلى الأمه، ليجد الانقلابيون أنفسهم في هذا الموقف الذي لا يحسدون عليه، والذي أوقعهم فيه شيطانهم، فقد فشلوا في كسر إرادة رجل واحد، فإذا بهم يواجهون أمة بأسرها، كلها إن شاء الله ذلك الرجل؛ ليظل الانقلاب انقلابًا ما دافعت الأمة عن شرعيتها، وواصلت المسير حتى زوال هذا الانقلاب، وها هو الرئيس قد رحل، فهل سيجد الفرقاء سبيلًا إلى التوافق؟ وهل سنجد اصطفافًا حقيقيًّا حول إرادة الأمة ومصالحها، وقد تجرد كل فصيل لقضية الأمة، وتخلى عن أهدافه الخاصة ومطامعه الشخصية؟ وهل سنسمع قريبًا عن مظلة وطنية ينضوي تحتها الأحرار على اختلاف مشاربهم وأيديولوجياتهم لنعيد لثورتنا زخمها من جديد، أظن أن هذا هو المنتظر والمرجو، وأظن أننا سنسمع عنه قريبًا إن شاء الله.

ولعل الطريقة الغبية المفضوحة التي اغتال بها الانقلابيون سيادة الرئيس، والتي فاقت في غبائها وانفضاح أمرها الطريقة التي اغتال بها أئمتهم في الغباء الأستاذ جمال خاشقجي، تكون من أهم أدوات الأحرار في الفترة القادمة جمعًا للفرقاء، وإشعالًا لجذوة الثورة في القلوب والميادين من جديد، ومطاردة للانقلابيين في المحاكم الدولية بطريقة أو بأخرى، فكل الدلائل تؤكد أن الرجل قد مات مقتولًا، وكل الممارسات التي مورست ضده لا تؤدي إلا إلى القتل، والرجل قدم بلاغات علنية عن هذه الممارسات في معظم جلسات محاكمته سمع بها القاصي والداني، فهل نسمع قريبًا صدى لقضية اغتيال سيادة الرئيس في المحاكم الدوليه؟ وهل نرى تجاوبًا مرضيًا مع هذه القضية يسفر عن إثبات حق الرئيس وتجريم الانقلابيين؟ أظن أن ذلك كائن إن شاء الله، وأظن أن النظام العالمي يريد ذلك الآن، وأن المجرمين أوعزوا إلى قائد الانقلاب أن يرتكب هذه الجريمة؛ ليتخلصوا منه ومن الرئيس الصامد الذي لم يستطيعوا كسره طيلة هذه السنوات في آن واحد، أملًا منهم في تغيير قد يأتي بمن يحقق لهم مصالحهم ويرضى عنه الناس في الوقت ذاته إن استطاعوا أن يديروا عملية التغيير من جديد، ولكن هيهات هيهات، فالأحرار الذين ضحوا وخبروا عدوهم وخبروا مكائده محال أن ينخدعوا مرة أخرى، والمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين.

لقد كانت الرؤية الواضحة عند كل الأحرار تتمثل في أهداف مرحلية، تبدأ بكسر الانقلاب وتنتهي بمعالجة آثاره، ويتوسطها شرعية الرئيس، فمن قائل يكمل مدته الرئاسية، ومن قائل يمسك فترة تجرى فيها انتخابات شاملة، ومنها انتخابات رئاسية جديدة، ومن قائل ليس من الواجب أن يرجع الرئيس لممارسة صلاحياته بعد كسر الانقلاب بل تؤول صلاحياته إلى مجلس رئاسي يدير عملية التغيير حتى تطمئن مراكز القوى في المجتمع الدولي، وحتى يطمئن أولئك الذين لم يصوتوا للرئيس، وأولئك الذين خرجوا ضده في الثلاثين من يونيو، وأظن أنه بعد انتقال الرئيس إلى جوار ربه لم يعد هناك سبب للفرقة، فهل سيستأنف الأحرار جهادهم لكسر الانقلاب، وهو الهدف المرحلي الأول الذي لم يتحقق حتى الآن بعزم قوي وحراك رشيد؟ وهل سنري منهم قريبًا رؤية واضحة محددة المعالم يجتمع حولها القاصي والداني؟ أوقن أن ذلك كائن بتوفيق الله ولا ينقصه ليتحقق إلا رغبة صادقة في توحيد الصف وجمع الكلمة.

لقد ظن الانقلابيون أنهم بقتلهم الرئيس قد وأدوا الثورة، وأدوها في قلوب الأحرار وفي الميادين، وهم سيحاولون أن يصدروا ذلك إلى الناس، ولكني أرى أن دماء الرئيس ستكون أيقونة حراك ثوري جديد سيتنامى ويعظم أمره، حتى يقتلع الانقلاب من جذوره، وأنه سيكون الحدث الذي سيرد الضال إلى جادة صوابه، وسيوقظ الغافل من ثباته، وأنه سيكون الحدث الذي سيوحد الصف ويجمع الكلمة ليس في مصر وحدها، بل في كل دول الربيع العربي، وسيكون بداية النهاية لكل الانقلابات في المنطقة، هذا ظني وحدثي من واقع ما رأيته من تفاعل كل شعوب العالم مع استشهاد الرئيس، ومن واقع ما سمعته من كل الفرقاء في تأبينه ورثائه، ومن واقع ما فهمته من كتاب الله وسنة رسوله أن الحق منتصر، وأن الباطل زهوق، وأن مكر أولئك هو يزول وأنه سبحانه خير الماكرين، فاللهم دبر لنا فإنا لا نحسن التدبير، وامكر لنا فأنت خير الماكرين، وارحم ضعفنا، وتول أمرنا، وأحسن خلاصنا، وانصرنا على عدوك وعدونا، أنت مولانا ونعم النصير، وأنت حسبنا ونعم الوكيل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد