رويدا رويدا يجد الفلسطينيون أنفسهم بلا ظهير صلب في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي الإحلالي في الضفة الغربية وقطاع غزة، فقد شهد العقد الماضي تحولا بنيويا في القراءة العربية الرسمية لطبيعة العلاقة مع إسرائيل التي تحولت من الكيان الصهيوني الغاصب إلى إسرائيل في الخطابات السائدة.

مر هذا التحول بمراحل متعاقبة ومتدحرجة بدأت بمدريد، مرورًا بأوسلو، واستمرارا بالمبادرة العربية، وصولا إلى الحديث عن صفقة القرن. الفلسطينيون من جانبهم عاشوا هذه السنوات بانقسامات حول تعريف الاحتلال وبرامج مجابهة بين التفاوض والمقاومة الشعبية من جهة والمقاومة المسلحة من جهة أخرى، دون توافق أو اتفاق حول استراتيجيات أو حتى برامج محددة.

لكن التحولات العربية في الخطاب ترافقت بتحولات بنيوية في عدد من النظم السياسية العربية، على مستوى القيادة والنخب. وتمثلت هذه التحولات بوصول، أو محاولة وصول الجيل الثاني إلى الملكيات العربية، قبل أن يصل التوريث الجيلي إلى العربية السعودية حاليا.

لم تكن النخب في دول عارضت أوسلو بمنأى عن هذا التحول المفاهيمي بالعلاقة مع إسرائيل، فعلى سبيل المثال قال سيف الإسلام القذافي في ذروة حراكه نحو مقعد أبيه عام 2005: إن ليبيا لم تعد بحالة صراع مع إسرائيل، بل إن الأخيرة لا تعتبر خطرا أو تهديدا لليبيا، فلا حاجة بأن يكون الليبي فلسطينيا أكثر من الفلسطينيين أنفسهم.

أمام هذه التحولات يقف الفلسطينيون في حيرة من أمرهم، في ظل اشتعال الإقليم والضغط المتواصل على قيادتهم من أجل القبول بتسوية تنهي هذا الملف بما لا يلبي الحد الأدنى من المقبول وطنيا، بل استباق نتائج المفاوضات المتعطلة أصلا بمواقف قاتلة، كما فعل ترامب بإخراج القدس عن المائدة، أدوات الضغط المسلحة مكبلة في ظرف إقليمي لا يسمح لها بالتحرك، وأدوات الفعل الدبلوماسي مهددة بسقف المسموح أمركيا، وأدوات المقاومة الشعبية محدودة الأثر والفعل والفاعلية، فكيف وصل الفلسطينيون إلى هنا؟ ولماذا؟ وهل من نوافذ في ظل هذه المعطيات؟

أوسلو: القفص بدلًا عن العش

ما بعد المقاومة، أصوات فلسطينية تتصاعد بخجل في النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي، قنوات خلفية وسرية تفتح مع الجانب الأمريكي، ووجوه إسرائيلي معتدلة، تتدحرج الفكرة التي تلقت إضاءتها الأولى في خطاب الزعيم الراحل ياسر عرفات في الجمعية العامة 1974، خطاب لوح فيه بغصن الزيتون بجانب بندقيته، كوة في طوق إسرائيل يفتحها السادات ويطير إلى الكنيست ليكسر المحرم.

تتدحرج الكرة وتتفرع القنوات الخلفية بين منظمة التحرير وأطراف إسرائيلية، خاصة بعد الخروج من بيروت والابتعاد عن التماس المباشر مع الاحتلال وفقدان الخيار العسكري أدواته الموجهة، المنظمة في أزمة إدارية ومالية، والعسكر مشتتون في أكثر من دولة بمعسكرات مطوقة، يأتي الحل من الأراضي المحتلة بانتفاضة حجارة إعادة إنتاج الحكاية.

كانت حرب الخليج الثانية ومفاجأة صدام للعالم باجتياحه للكويت الضربة التي كسرت الفلسطينيين، سجل على منظمة التحرير موقفها، وأغلقت أمامها كل المنافذ، وسحبت منها أدوات العمل، إلا طريقا واحدا قاد لأوسلو.

لم تكن الاتفاقية التي وقعت في الثالث من سبتمبر عام 1993 في البيت الأبيض بالنسبة للفلسطينيين إلا محاولة لترميم مشروعهم الوطني من الداخل مكرهين، قبل الفلسطينيون بالدخول في عملية سلام بعد اتفاق قناة أوسلو الخلفية على ما رفضه وفد واشنطن.

اعتقدت القيادة الفلسطينية أنها قادرة على التحرك من الداخل بمرونة واتباع سياسة الأخذ والمطالبة، لكنها أغفلت أنها تفتقد لأدوات الضغط الرئيسة الممكنة في عملية التفاوض كالمصلحة والقوة. لكن شيئا ما كان يحدث بالداخل مع صعود التيارات الإسلامية في الإقليم، حركة حماس تستقطب الرافضين وتتصاعد حدة ضرباتها التي تقول من خلالها: نحن هنا، ولنا كلمة.

يبدأ التوتر الداخلي بين المعسكرين، لكن عرفات يدرك أنه قادر على استخدام ورقة حماس على طاولة المفاوضات، فيتبع سياسة الباب الدوار، ويحاول توظيف عمليات الحركة، لكن هذا لا يجدي نفعا، فالتطرف في الجانب الإسرائيلي يتصاعد، ويقتل رئيس الوزراء رابين، وتأتي الانتخابات لاحقًا بمتطرفين يساريين، كباراك، ويمينيين، كنتنياهو وشارون.

طاولة المفاوضات تسخن شيئًا فشيء، يحتفظ الإسرائيليون بالنهر، ويبخون الرذاذ على الفلسطينين بلا وسيط حقيقي، تتفجر الطاولة في كامب ديفيد بعد رفض الطرفين التوقيع على الاتفاق الذي لم يلب فلسطينيا الحد الأدنى من السيادة، فيما كان تنازلات مؤلمة بوصف الإسرائيليين، هذه المفاوضات جاءت عام 2000، بعد عام واحد من انتهاء المرحلة الانتقالية، أي نهاية أوسلو.

لكن اتفاق المبادئ تحول مع بروتوكوله الاقتصادي الملحق إلى ناظم الأمر الواقع للحياة والعلاقات في الأراضي الفلسطينية.

تنطلق انتفاضة شعبية واسعة في سبتمبر عام 2000 رفضا لاقتحام شارون المسجد الأقصى، لكنها تتحول لانفجار شعبي لا يقبل العودة إلى الوضع السابق، تنطلق الأجنحة العسكرية محدودة الإمكانات في عمليات يرد عليها بتدمير واسع لآلة الحرب الإسرائيلي، أعوام قليلة حولت كل ما بنته السلطة الوطنية إلى ركام، غزة تحاصر وتضرب برا وبحرا وجوا، والضفة الغربية تهرس تحت جنازير الدبابات التي حاصرت عرفات في مقره برام الله، وهو المكان الذي فارق فيه الحياة شهيدا كما أراد عام 2004.

إسرائيل تعيد رسم المعادلة، سلطة بلا سلطة وجسم وظيفي يدير الحياة في الضفة الغربية بانتقائية يفرض شروطها الاحتلال، حشرت الحكومات الفلسطينية المتعاقبة في منطقة الاختبار، عليها دوما أن تثبت أهليتها لبناء دولة وشفافيتها للحصول على الدعم الدولي المتناقص أصلا، وبالرغم من القيود تتلقى إشادات متعاقبة من قبل المؤسسات الدولية ومجموعات المانحين، لكن في الميدان كان الاحتلال يقضم الأرض ويفرش مساحات الاستيطان التي خنقت المدن والتهمت الأرياف وتركت المناطق الفلسطينية معازل بمفاتيح إسرائيلية.

مع انسداد الأفق السياسي ورفض الاحتلال تجميد الاستيطان لم يجد المستوى السياسي الفلسطيني إلا الحراك الدبلوماسي الدولي كنافذة لحصد مكاسب قانونية في ظل انشغال المنطقة، تقرر الجمعية العامة أن فلسطين دولة غير عضو عام 2012، وبدأت الدبلوماسية الفلسطينية تتحرك نحو الانضمام للعشرات من المؤسسات والاتفاقيات الدولية ورفع العلم الفلسطيني في كافة عواصم القرار، والحصول على مزيد من الاعترافات بالدولة من عواصم القرار الدولية.

بقي الانقسام الفلسطيني ساكنا يضعف كل تحرك محلي، غزة تحت قبضة حماس التي كانت تتبنى الخيار العسكري والمقاومة المسلحة، وقيادة منظمة التحرير تواجه أزمة تمثيل القطاع الذي لا يخضع لسيطرتها، رويدا رويدا تنخرط حماس في الهم اليومي للشارع الغزي، وتعاني أزمات متلاحقة بمواجهة 3 حروب عدوانية دمرت خلالها إسرائيل البنية التحتية في القطاع، استشهد وجرح عشرات الآلاف، مأزق متصاعد واجهته حماس من العدوان الأول عام 2008، مرورا بالعدوان الثاني عام 2012، وليس انتهاء بعدوان 2014، واليوم أصبحت غزة سجنا يقتل أحلام الشباب ويدفن الحكاية.

تراجع موقع فلسطين على خارطة الأولويات العربية والانقسام وانسداد الأفق السياسي شكلت كلها مثلثا مغلقا حاصر بقايا المشروع الوطني وقزم الأحلام الفلسطينية من الحرية والاستقلال إلى وعود بدويلة بلا طعم أو لون أو رائحة، من جانبها، برعت إسرائيل في تحويل أوسلو من عش حاضن لأحلام الحرية الفلسطينية، إلى قفص يبحث فيه السجين عن ما يبقيه حيا.

ما بعد المشروع الوطني

واضح أن عملية التسويف والتخدير ودحرجة المؤتمرات واللقاءات والمبادرات خلقت واقعا صعبا، منظمة التحرير تحولت لجسم مترهل شكلي بدوائر غير فعالة، بمعظمها، وحكومة بلا أدوات ولا سيطرة على الأرض في الضفة الغربية التي التهم الاستيطان ما يقرب من ثلثيها، ومقاومة مشتتة ومكبلة في ظل واقع المحيط والمعادلات الدولية، ليأتي قرار ترامب باعتبار القدس عاصمة للاحتلال كرصاصة لا حياة بعدها.

محاولات داخلية لدفع عجلة المصالحة والاتفاق الوطني تصطدم مبكرا على مستوى المفهوم، فلغة المحاصصة والتقاسم والتمكين والتوزيع تقتل فكرة العمل الوطني الشامل وتعطي أوسلو قبلة حياة لا تستحقها، يعمل الجميع داخل القفص دون جرأة لكسر قضبانه والخروج من مأزق السنوات الست والعشرين السابقة.

أحسنت القيادة الفلسطينية بفتح ملف المؤسسات الدولية ومواجهة الاحتلال بمنظور القانون والأخلاق والشرائع، هذه الأداة اثبتت كما حملة المقاطعة الدولية إنها وسائل توجع الاحتلال وتؤرقه.

لكن حملة المقاطعة نموذج يحتاج للتوقف، فهو يصل للقواعد الاجتماعية الفاعلة في كل دولة بخطاب أخلاقي يناسبها، وينتشر أفقيا محققا نتائج مرضية بتفاوت يفرضه فوارق التركيب الاجتماعي. وعلى العكس تعمل الدبلوماسية الرسمية على الانتشار الأفقي على مستوى النخب الحاكمة مع صعوبة إحداث اختراقات وانتشارات فرعية.

هذا يثير تساؤلا هاما، ماذا بعد تكلس مشروعنا الوطني؟ وما الذي يمكن فعله في ظل تشتت المشاريع وتبعثر الجهود والتمترس خلف مشاريع منعزلة.

لا يمكن الحديث عن تحرير وتحرير بدون إعادة منظمة التحرير لأصلها، فهي جسم ناظم جاء بمشروع تحرر وطني بعيدا عن واقعها الحالي. ولهذا فالحل يبدأ بالعودة إلى أصل الحكاية.

أولا يجب الخروج من القفص وإعادة إنتاج منظمة التحرير بهياكل ونظم محدثة خارج الأراضي المحتلة، فلا يعقل أن ينظم عمل المنظمة ذات القواعد التي أنشأتها، ولا يجوز بقاء الجسم الممثل للكل الفلسطيني تحت سياط المحتل، وعليها الخروج بجسم تنظيمي لا مركزي يعتمد على النخب الفلسطيني في الشتات، ويخرج من محاصصة الفصائل غير القادرة على تشكيل رؤية وطنية حتى اللحظة، ومن المهم أن تبعتد هذه التشكيلة عن رؤوس الأموال المتواطئة التي تتسلل للعمل الوطني زورا وبهتانا، فالباب يجب أن يفتح لدخول المنظمة وإحياء دوائرها من قبل دماء شابة حيوية، وهنا تجد المبادرات الفاعلة كحملة المقاطعة ظهيرا داعما تمكنه ويمكنها.

لا يجب إهمال هذه الفرصة التاريخية لاتخاذ مواقف صلبة تحرج القادة في العالمين العربي والإسلامي وتدفعهم للحاق بالموقف الفلسطيني، فقد اتبع القادة في العالمين استراتيجية (نوافق على ما يريده الفلسطينيون)، وتتوالى الضغوط في الغرف المغلقة لتخرج مواقف وطنية مشوهة لا تعكس الطموح الشعبي والمتاح السياسي. وهنا على الفلسطيني اتخاذ قرار حاسم بمقاطعة الطرف الأمريكي – الإسرائيلي ودعوة العالمين العربي والإسلامي لذات الفعل وإرسال رسالة قوية بأن الحالة الفلسطينية عادت لواجهة الحياة بفعل تلاعب الإدارات الأمريكية المتلاحقة.

أيضا، إعادة الإنتاج يجب أن تصل للسلطة الوطنية أيضا، فهي خرجت عن كونها منظومة إدارية محدودة، كما أريد لها في نشأة أوسلو، تضخمت وأقحمت في زبائن إجبارية وصلت لإنتاج زبائنية فصائلية رثة أيضا، إذن قلبت السلطة علاقتها الهرمية بمنظمة التحرير لتصبح الأخيرة ملحقا على هامش السلطة. الواقع الحالي يقول ألا إمكانية لحلها لما لذلك من أثر على البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في الضفة والقطاع، وهنا فالحل المتاح يكمن في إعادة تعريف دورها الوظيفي، وتقليص هيكلها البيروقراطي، وتحويلها لجسد خدمي بالحد الأدنى من التكلفة والبيروقراطية.

تمتد إعادة الإنتاج إلى الدبلوماسية الفلسطينية وواقع السفارات حول العالم، فحركة تحرر وطني يجب أن تعتمد بدبلوماسيتها على جهد طوعي منظم يؤمن بالفكرة والغاية، يمكنه إطار دبلوماسي جامع تحت منظمة التحرير يعفي الحالة الوطنية من عبء ترهل السلك الدبلوماسي الحالي الذي يواجه انتقادات هائلة لضعف دوره في التواصل الأفقي مع بنى النظم السياسي في دول العالم، بالرغم من وجود نجاحات تعكس اجتهادات فردية.

ترتبط النقطة السابقة أيضًا بإعادة تأهيل الاقتصاد الفلسطيني في الأراضي المحتلة وتمكين المواطن وتعزيز صموده بأدواته المتاحة، ومنها الزراعة التي استنزفت ونهبت من قبل الاحتلال تارة، ومن قبل رأس المال الشره تارة أخرى، والمشروعات الإنتاجية الصغيرة التي تخنقها حتى اللحظة البوابات المفتوحة للأسواق الفلسطينية والاستيراد العشوائي المنهك. من الواجب التذكير أن رأس المال البشري الفلسطيني مرن وقادر على التكيف والخروج من مأزق نمط الاستهلاك الحالي، فلا يجب على السوق أن ينتظر رواتب الحكومة كل شهر لتدور عجلته، بدلا عن الاعتماد على الإنتاج.

وأخيرا، فسلاح المقاومة ليس ملكا لفصائله، فهو مخزون استراتيجي لحماية الشعب الفلسطيني يجب الاتفاق على تنظيمه وإدارته واتخاذ قرار استخدامه عبر المؤسسات الوطنية الجامعة، لا يمكن أن يسمح لهذا السلاح بأية حال من الأحوال أن يخرج عن مساره، ويستخدم في استقواء داخلي إن كانت الحالة الفلسطينية صادقة وسليمة، ولا يمكن أن يحتكر من قبل جهة دون أخرى، فهذا السلاح عنوان بناء مشروع وطني جامع من منطق قوة فلسطينية لا مفاوضات بلا أدوات.

الإرادة الوطنية الفلسطينية في طور التشكل بشكل متدحرج، والمؤشرات القادمة من غزة توحي بطي صفحة الانقسام والتحرك نحو مستقبل وطني بخطى ثابتة، ما أقدم عليه ترامب خطيئة علينا أن نستثمرها لبناء فعل، لا الخروج بردات محدودة، وهي فرصة لبناء جبهة دولية داعمة بشرط جاهزيتنا وصلابة موقفنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد