منذ استيلاء الحكم العسكري على سدة الحكم في البلاد في ثمانينيات القرن المنصرم، دخلت السودان في دوامة من الصراع والحروب الأهلية التي لم تبرح الساحة السودانية إلا وهي تجر البلاد إلى الهاوية في انفصالها ووقوعها في الأزمات السياسية والإجتماعية والاقتصادية الطاحنة وإضرار الحكم الشمولي بالمصلحة الوطنية وتبنيه لدعم الامتداد الأيديولوجي أدى إلى عزلة شاملة وفرض عقوبات حالت دون تقدم السودان وعدم التفرغ التام للقضايا الداخلية التي كان الأجدر الاهتمام بها أولًا ومن ثم دعم الجوار.

لكن التنازلات التي كانت سببًا ريئسًا في إفقار السودان وتحطيم بنياته الأساسية وعدم تطوير مشاريعه وتبديد ما فيه من موارد في مصارف لا تدر نفعًا سوى للوسطاء، وغالبًا ما يستفيد الراشي والمرتشي في مشاريع ظاهرها القومية وباطنها الشخصية بانتهازية لا ترقى لأي وصف وطني، فالوطن لم يكن في الحسبان.

والمواطن لم يكن في دائرة اهتمام المسؤولين، بل في قانونهم يؤخذ ولا يعطى، حتى في توزيع الفرص الوظيفية كان يجري إهمال المستحقين ومنعهم من حقهم في الحصول على وظيفة لصالح غيرهم ممن هم أقرب إليهم، حتى كثر الغبن وانتشرت البطالة بين الشباب، فلم يجدوا متنفسًا إلا في الهجرة وذلك لمن استطاع إليها سبيلا، وحتى في الانتداب للدول النفطية كان يجري تزكية من ينتمون إليهم.

كل ذلك نعتقد أنه سيكون من الماضي، وأن السودان عبر تلك المرحلة وطوى ذلك العهد إلى عهد جديد تتساوى فيه الفرص ويعلو فيه صوت الوطنية على كل صوت، وبالطبع هذا لا يعني العزلة بل تعامل السودان مع غيره بالمثل وأداء دوره الإقليمي بالتساوي مع شركائه دون إغفال للمصلحة الوطنية وتقديم مصالح الغير عليها، كما حدث في الماضي من تنازلات لصالح دول الجوار دون الحصول على أبسط الحقوق.

فالوطن ليس مؤسسة خيرية يجب حسبان المصالح المشتركة بما يضمن توفير حياة كريمة للشعب وعدم تبديد ثرواته لمجرد صداقات أو تفاهمات بين أصحاب رؤوس أموال يتحكمون ويشترطون في كم وكيف ومتى ولمن.

فالمرحلة القادمة مرحلة يدرس لها عقلاء الشعب السوداني ويرسمون ملامحها دون إقصاء لأحد ودون تمييز، قوامها الكفاءة وميثاق شرفها حب الوطن رميًا للمرارات التي ذاقها المواطن السوداني واستشعرها في شتى ضروب حياته حتى ما عاد يثق في احتمال صلاح حاله وانقضاء أمد هذا الكابوس الذي جثم على الصدور وعمل على تفكيك بنية المجتمع بإفقار الفقير وإغناء الغني.

مستقبل السودان كما ذكرت تتضح معالمه جلية اليوم لكل من يستطيع قراءة مآلات الأمور إن استمر الأمر دون ظهور اتجاه أيديلوجي جديد وصدقت المؤسسة العسكرية المتمثلة في مجلسها الانتقالي بقيادة عبدالفتاح برهان وسلمت القوى السياسية زمام الأمور في الفترة التي يجرى الاتفاق عليها بين عامين أو أربع أعوام يجري خلالها التأكد التام من صلاحية الوضع لإجراء انتخابات تشارك فيها كل الأحزاب لانتخاب حكومة قومية لا مجال فيها للعبث أو للفساد أو للتنازل عن موقف واحد فيه مصلحة للسودان.

والتشديد على ضرورة إرجاع كل الأموال المنهوبة وإلغاء كل الاتفاقيات التي أشرت إليها بأنها لم يراعى فيها مصلحة الشعب، إنما مصلحة المتعاقدين بشخص الدولة الخارجية المستفيدة وتمثيل الفرد المستفيد دون مراعاته للمصلحة العامة، فكل عقد لم تراع فيه مصلحة السودان هو ملغى يجب شطبه وتغييره لوجود خلل في الطرف الثاني، إذ إنه ليس مخولًا من الشعب ولم يدخل إيراده للخزينة العامة وإلا لما وصل الوضع الاقتصادي إلى الحالة المتردية بانعدام السيولة وانهيار الحياة بأكملها.

 كما لا يمكن أن ننكر توجسنا من احتمال انفلات عقد الأمن حال لم يجر الحفاظ على استقلالية وحياد المؤسسة العسكرية، وتم السماح للدول الخليجية سيئة السمعة التي أدخلت ليبيا واليمن في دوامة حروب ما بعد ثوراتها باعتمادها على شركاء دوليبن وإحداث حروب بالوكالة بدعمها ومشاركتها في تكوين جبهات وحكومات موازية لتلك التي جرى اختيارها أو تمخضت عن مبادارات داخلية، كحكومة الوفاق التي يجري الآن الحشد ضدها والادعاء بأنها تتبع الإرهاب رغم أنها تحوي تشكيلات من الثوار الذين شاركوا من قبل في قتال كتائب القذافي.

إلا أن التدخل الخارجي غالبًا هو الذي يطيح بكل الحلول المحلية ويجعل إمكانية التوافق مستحيلة فهو يسعى لكسر إرادة الشعب بحكومته وكياناته ويسعى لإنتاج كيان جديد وزرع نظام بديل يتبع للخارج ولا يخالف مصالح الدول المتغطرسة ويظل تابعًا لها كما ولو أن الشعل تحرر من قيود حكامه السابقين ليقع في قيود أخرى أشد منها خبثًا وقسوة.

كما أن ضمانات الشخصية السودانية بتركيبتها الرجولية في الحفاظ على العهد والاهتمام بالمصلحة العامة قد تشكل فارقًا كبيرًا في احتمالية إخراج السودان إلى مبتغاه في النمو والازدهار والوصول إلى حكم راشد، يضمن للجميع حياة كريمة تتوزع فيها الفرص وتنهض بها الأمة صوب علياء المجد وثريا السؤدد وتفويت الفرصة على كل من يخطط لتنفيذ أجندة خارجية تضر بمسار الثورة وتنكس إرادة الشعب السوداني، الذي عانى الأمرين وصبر حتى نفد صبره وتنسم أخيرًا أملًا جديدًا وعانقًا حلمًا فريدًا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد