هل ستندهشون – أيّها القرّاء الأكارم – إنْ ذكّرتكم بحقيقة بسيطة: الطغاة والبلطجية والفاسدون الكُثُر في بلادنا العربيّة – والذين نُبُغضُ إجرامهم وإفسادهم وندعو يوميًا عليهم – لم يهبطوا علينا من كوكبٍ آخر، ولا تمّ استيرادهم من دولٍ معادية، ولا نبتوا بيننا فجأة! وهل ستندهشون إنْ نبّهتُ أنّ الطاغيةَ قد لا يكون ابنَ طاغية سابق، أو تلميذًا له، أو عاملًا سابقًا معه؟ فقد يأتي طاغيةٌ من عامة الشعب، أيْ من بيننا نحن!
فكيف إنْ ذكّرتكم أنّ الطاغيةَ والبلطجيّ والفاسد كانوا يومًا ما أطفالًا! نعم، كانوا أطفالًا، وربّما كانوا يومًا بيننا من عامّة الشعب! فكيف كانت نشأتهم بيننا؟ وكيف تحوّلوا من ذلك الطفل البريء ذي الابتسامة الطيّبة – التي تزيّن وجه كل طفلٍ في العالم – لهذا الطاغية أو البلطجيّ الذي لا يتورّع عن قتل بسمة الأطفال، قتلًا مباشرًا أو غير مباشر، بقتل أو اعتقال أو إيذاء آبائهم؟!

ليس بالضرورة أن يكون البلطجيّ أو الطاغية أو الفاسد قد نشأ في عائلةٍ بلطجية أو وسط أقاربَ طغاة، بل قد يكون أبَوَاه عاديَّيْن وأسرته بسيطة، ومع ذلك فإنّي أزعم أنّ أوّل عوامل نشأتِه كمشروع طاغية بدأ من أسرته!
لو فتّشنا جيدًا في تاريخ آبائه لَوَجدنا لديهم شيئًا من الظلم بدرجة ما! قد يكون أحد والدَيه مثلًا ظالمًا لأختٍ أو بنتٍ أو ابنٍ أو جارٍ أو موظفٍ أو خادمٍ أو.. وابنهم شاهدَ ذلك وعايشَه وأُعجب به وتَشَرّبَه وقلّده ولو بعد حين بصورةٍ أكبر!

وبالطّبع هناك عوامل أخرى كثيرة لتحوّلهم من الطفل البريء إلى البلطجيّ والطاغية، وسأورد في إشاراتٍ خاطفة بعضًا منها ولا ريب أنّ غيرها كثير:

– الصحبة والبيئة المحيطة السيئة، مثلًا دخوله السجن وتعلمه من مجرمين وبلطجيّين!

– أحيانًا عند ملاحظته لحال المظلومين وضعفهم، يكره ذلك وتتكون لديه ردة فعلٍ تجعله يؤمن بمنطق القوة وحده ويكفر بمنطق الإنسانية أو العدل! بعض النفوس البشرية هكذا، بدلًا عن أن تقاوم الظلم ترى أن الظلم حقٌّ ما دامت القوة معه! فيقرّر أنه يجب أن يكون قويًا وإنْ ظالمًا، ولا يكون ضعيفًا مظلومًا!

– ذكاؤه الحادّ وشخصيته القيادية وقدرته على توجيه الجموع تحت إمرته، ولكنه يوجّه هذه المواهب في طريق جنون السُّلطة بلا وازعٍ ولا رادع، مع وجود ثلّة من الأصدقاء حوله من ذوي شخصيات: السحّيجة (المطبّلة)، والمُذلة لنفسها، والطامعة، والمتسلّقة، و… يساعدونه في تنامي – وتشكّل – هذا الطاغية أو البلطجيّ الصغير فيه! فكما تعلمون كل هذه الشخصيات تنشأُ في الصّغار وتكبر معهم لا أنها تتلبّسهم فجأة حين يكبرون ويأخذون مواقعهم في الحياة!

– ولا يخفى عليكم دور الإعلام بكل أشكاله في هذا النموّ والتشكّل!
فإنهم في الإعلام يصوّرون الطاغيةَ بطلًا، والفاسدَ عبقريًا، والبلطجيَّ قويًا، ويصفقون ويضحكون له، ويميّعون الأثر القاسي لظلمه أو فساده، فتصل رسائل للعقل اللاواعي أن لا تواجهوا هؤلاء فخطرهم قليل، بل كونوا مثلهم!

– ولا أنسى ولن أغفل أنّ أهم العوامل المسهمة في تشكل الطغاة والبلطجية والفاسدين هو الظلم الاجتماعي وغياب العدالة في مجتمعاتهم، وربما غياب اللّمسة الحنون لهم! بالطبع ليس هذا مبرّرًا أخلاقيًّا، ولكنْ هكذا بعض النفوس البشرية: إنْ تعرضتْ لظلمٍ أقسمتْ أن لا يهدأ لها بال حتى تُذيق مثله للجميع! وإنْ وقعتْ في حفرةٍ اغتاظتْ من الذين لم يقعوا فيها! وإنْ مسَّتْ طرفَ ثوبِها النارُ لثوانٍ لم تقنع حتى تُحرق الأخضر واليابس طلبًا للتعويض! عكس النفوس الكريمة النبيلة التي إنْ تعرضتْ لأذىً قالت يا رب لا تجعل أحدًا من خلقك يتعرّض له أبدًا!

فكيف نعرف أن فلانًا من أطفالنا على وشكِ أن يتشكّل فيه مشروع طاغيةٍ أو ظالمٍ أو بلطجيّ أو فاسدٍ أو…؟
ببساطة يجب أن نلاحظ إن كان فيهم شيءٌ من صفات هؤلاء ولو بنسبةٍ قليلة، فإنّ القليل مع الاهمال يكثر! وصفات التجبّر على الخَلق تتكاثر وتنتشر وتتضاعف إنْ لم تجد من يوقفها في مهدها ويهذّبها وينزع جذورها بلطفٍ وحكمة، وسرعة!
يظهر ذلك مثلًا في سلوكٍ عدوانيّ من الطفل، خاصةً إن تكرّر، وبالأكثر إنْ برّره وأصرّ عليه بكامل اعتقاده بصحته أخلاقيًّا!
كما يظهر أيضًا في الغياب المتكرر للأخلاق أو الصفات الإيجابيّة الانسانية في سلوكيات الطفل، كعدم إحساسه بحاجات الأضعف والأفقر منه، أو عدم تعاطفه مع أصحاب المصائب الغرباء، الطغاة الكبار قد يتعاطفون مع مصائب أحبابهم فقط وليس مع مصائب الغرباء مما يعني أنه لا يهتم للمبدأ الإنساني، وإنما لمن تربطه بهم مصالح أو علاقات خاصة!

إذًا – أيّها الأفاضل – علينا الانتباه لمظاهر وأعراض البلطجة، الطغيان، الفساد في أبنائنا منذ الصغر، تمامًا كما نحرص على ملاحظة أيّة أعراضٍ للمرض عندهم مسبقًا لنُسارع بالعلاج!
هذه مسؤولية الجميع: الأهلُ في البيت، والمعلمون في المدرسة، والجيران والناس في الحي.
ثم يجب ملاحقة هذي المظاهر والعلامات والأعراض بالإيقاف والتهذيب والإصلاح، وعدم إعطاء الأبناء رسائلَ لا شعورية توحي لهم بتأييدها كالضحك حين يفعلونها، ولا يجوز بأيّ حالٍ دعم الطفل حين نعلم أنه ظلم صديقًا أو قريبًا أو خادمًا أو عاملًا!
وفي نفس الوقت يجدر بنا  كآباء ومربّين أن نتبع الأساليب التربوية الصحيحة في سحب هذه السلوكيات منهم من غير أنْ نسمح لعنادهم أنْ يأخذهم إلى تثبيتها في أنفسهم من حيث لا نريد!

بالخلاصة: نحن المسؤولون أمام الله ثم أمام الأجيال القادمة، إنْ ظهر لهم في مستقبلهم طغاةٌ جدد؛ لأن طغاة المستقبل هم من أطفال اليوم!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد