كان الراحلُ “محمد عابد الجابري”، أحد قامات الفكر في العالم العربي، منشغلا بالبحث عن أسباب تخلفِ وانحطاطِ الحضارة العربية الإسلامية ، التي لطالما ملأت العالم بمنجزاتها وثمارها الفكرية والفلسفية.

وفي محاولة منه لتفسير واستخراج الأسباب الكامنة لذلك الانحطاط، بدأ المفكّر الراحل تنقيباً إبستمولوجياً في التراث العربي الإسلامي وكانت نتيجة هذا البحث والتنقيب المكثفين سلسلة “نقد العقل العربيّ” إلا أنّ المفكّر السوري جورج طرابيشي قد تصدى له بنقد ذلك النقد في سلسلة من خمسة كتب مشهورة بـ”نقد نقد العقل العربي”.

على أية حالٍ، كان مما تعرّض له الجابريُّ موضوع العلاقة بين اللغة والفكر وما إذا كانت اللغةُ العربيةُ في حدِّ ذاتِها عاملا من عواملِ الانحطاطِ والاضْمِحلالِ التدريجيِّ الذي أصابَ الحضارةَ الباسقةَ المثمرةَ فحوَّلَهَا إلى شجرةٍ لا أوراقَ لها ولا ثمار. وسنتعرّض في مقالنا الطليعي هذا لسلسلة من المقالات لوجهة النظر الجابريّة وردِّ طرابيشي عليها فيما يتعلّق بعلاقةِ اللغةِ بالفكرِ.

وجهةُ نظرِ الجابريّ في الإشكاليةِ:

تناول الجابريُّ بُنيةَ تلك الإشكاليةِ من عدّةِ أوجهٍ ، وهي كما ذكرها في كتابه “تكوين العقل العربيّ”:

 

1. اللغة العربية يرفعها العربي إلى درجة التقديس ، وبالنسبة له فكلما كان أكثر تمكناً منها كان أكثر قرباً لما به الإنسان هو إنسان.
فالعربي “إنسان فصيح” لا مجرد ناطق و”.. ليس بمجرد “العقل” تتحدد ماهيّته”. ذلك ما تسبب فيه، من وجهة نظر الجابري، وهو الأمر الذي جعله يعطي له الأولية لنقد العقل العربيّ، أمران:

 
• أولهما، كون النص القرآني عربياً مما أوجد ترابطاً غير منفصم بين الدين واللغة: ذلك أنّه، أي : القرآن “لا يمكن نقله إلى لغة أخرى دون المساس به. فـ”العربية جزء ماهيّته” كما يقول علماء أصول الفقه”.

ولما كان للعربيّة من تأثير وتداخل نسيجيّ في قماشة الحضارة العربية الإسلاميّة بالإضافة إلى “ما يتوفر عليه اللفظ العربي من فائض في المعنى وما تتميّز به التراكيب العربية من تنوع” كان لها أن تكون أحد عوامل “الخلافات المذهبية، الكلامية والفقهية” كذا الخلافات السياسية التي “وجدت هي الأخرى في النص الديني العربيّ، بفضل مطاوعة اللغة العربية وانفتاحها، ما تتّخذ منه غطاء وسنداً”.

 
• وثانيهما، أنّ الاشتغال بجمع اللغة العربية وتنظيمها ووضعها في قواعد كان أول ما اشتغل به العقل العربيّ كعمل منظّم في بداية حضارته الوليدة.

ولما كان الأمر كذلك كانت تلك العلوم (النحو وخلافه) مثالاً ونموذجاً ، بل أصلاً يُحْتَذَى به بالنّسبة للأعمالِ العلميةِ التي تَلَتْهُ من حيث “المنهجيّة التي اتبعها اللغويون والنحاة الأوائل، وكذلك المفاهيم التي استعملوها، والآليّات الذهنية التي اعتمدوها”.
2. في سبيل التأسيس النظريّ لوجهة نظر الجابريّ، يستشهد المفكّر الراحل برأي الفيلسوف واللاهوتي الألماني والناقد الأدبيّ “هردر” الذي وكما يشير الجابريّ “يمكن اعتباره الرائد الأوّل للنظريّة التي تعزو دوراً أساسيّاً للّغة في تشكيل نظرة الإنسان للكوْنِ” فيذهب “هردر” إلى الربط بين خصائص اللغة وخصائص الأمّة التي تتكلّمها.

وبالتالي فإنّ أمّةً ما “تتكلّمُ كما تُفكّرُ وتُفكّرُ كما تتكلّم” ، بل الأدهى والأكثر من هذا أن مفاهيم يتم التحدّث عنها كأشياء مجرّدة متعالية عن الزمان والمكان “الحقيقة والجمال والفضيلة” تصبح مقيّدة بالقيود التي تضعها فيها اللغة التي من خلالها يتم تناولها فاللغةُ حينئذٍ ووفقاً للمفكّر الألمانيّ “ترسمُ الحدودَ وتخطّ المحيطَ لكلِّ معرفةٍ بشريّةٍ”.

فعلى سبيل المثال، نجدُ أنّ لغة العرب فقيرةُ فيما يتعلّق بأنواع الثلج ووصف البيئة الشديدة البرودة على العكس من لغة أهل الإسكيمو مثلاً والّذين سنجدُ في لغتهم فقراً إذا ما تعلّق الأمرُ بمصطلحات وكلمات تصف بيئة البداوة والصحراء القاحلة شديدة الحرارة. يسارع الجابريّ إلى التعقيب على ما سبق بقوله: “صحيحٌ أنّ المسألةَ ترجعُ في نهايةِ الأمرِ إلى اختلاف الظروفِ الطبيعيّةِ… ولكن صحيحٌ أيضاً أنّ المتكلّمينَ باللغة العربية اليومَ وقبلَ اليومِ سواء سكنوا المناطق الحارّة أو المناطق المعتدلة، ظلّوا وما زالوا سجناء العالمِ الفقيرِ جدّاً الذي تقدّمه اللغةُ العربيّةُ لهم عن عالمِ الثّلجِ”.

3. مما ساهم في حبس المفكّر العربي داخل قيد اللغة، حسبما يرى الجابريّ، هو اعتماد واضعي المعاجم العربية القديمة والمعاصرةِ، والتي لا يرى الجابريُّ أيَّ فرقٍ بينهما، على “… حياة ذلك ((الأعرابيّ)) الذي كان بطل عصر التدوين، حياة ((خشونة البداوة)) بتعبير ابن خلدون” وعلى الرغم من دخول الكثير من المصطلحات الجديدة والتعابير الفلسفية العديدة منذ عصر المأمون إلى ما يقارب القرن السابع والثامن للهجرة ، إلا أنّ العقل العربي يأبي إلا أن يتخذ من تلك اللغة الرسمية “الفصحى” مرجعاً له جاعلاً كل ما زاد، من تطوّر ناتج عما سبق من تراجمٍ أو نقلٍ للعلوم، عن ذلك دخيلاً على العربية “لغة ((الأعراب الأقحاح))”.

 
ويرى الجابريُّ، كنتيجةً لما سبق، أنّ اللغَةَ قَدْ حُنِّطت ، وبما أنَّ السيرورة الاجتماعية غير متوقفة فقد أدّى هذا الافتراق إلى ظهور العامّية، والتي يرى الجابريّ أنها قد انتقمت من عملية التحنيط الآنفِ ذكرها لاحتوائها وتبنّيها على تلك التعابير والألفاظ التي لم تشملها أو تعترف بها اللغة الرسمية.

 

 
حينئذٍ يقول الجابريّ، ونختم بقوله هذا الجزء الأوّل من هذه السلسلة “وهنا تكمن المفارقةُ الخطيرةُ ، بل التمزّق الرهيب الذي عانى ويعاني منه الإنسان العربيّ إلى اليوم: ذلك أنّه من جهة، يتوفر على لغة للكتابة والتفكير على درجة عالية من الرُّقيّ من حيث آلياتها الداخلية، ولكن هذه اللغة ذاتها لا تسعفه بالكلمات الضرورية عندما يريد التعبير عن أشياء العالم المعاصر، عالم القرن العشرين الذي يعيش فيه ويفرض نفسه عليه في كل مجال”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد