نزار قباني الشاعر المتهم باستغراقه في شعر الغزل كان وما زال بالنسبة لي شاعر السياسة الذي لا يشق له غبار والصادق الذي لا يتخلى عن مبادئه وقد قال يومًا “إن معمر القذافي ليس زعيمًا كلاسيكيًا ليناقش بطريقة النقد الكلاسيكي، وليس تمثالًا محدد القسمات في متحف الشمع العربي. إنه ظاهرة استثنائية، كالبرق، والرعد، ورياح الخماسين”.
ومنذ ثلاث سنوات تقريبًا قتل القذافي في حادثة مهينة لا ترقى إلى ثورية الرجل ونضاله هكذا أراد أعداؤه أن تكون نهايته، وهكذا أراد الأمريكيون أن يقتصوا من تمرده وتحديه لهم، وهكذا أراد السعوديون كذلك ردًا على انتقاده لدولتهم وإهانته لملكهم.

إنه الدرس الذي بثته أمريكا إلى كل أعدائها من المناضلين ضد إمبرياليتها وطغيانها سواء في المنطقة العربية أو بالقرب من بوابتها الخلفية في أمريكا اللاتينية وأينما كانوا.

ولأننا أمة لا ذاكرة لها فإننا قد هللنا لقتل القذافي وكأننا نلنا قصاصًا من نتنياهو أو واحد من أعدائنا.

فحينما قدمت واشنطن للملكيين والأصوليين الإسلاميين ومعارضي القذافي ومولتهم ودربتهم ثم أطلقتهم باسم التحرير وغيرها من المسميات إنما كان ذلك غطاءً لعملية قذرة يستخدم فيها كل هؤلاء لتحقيق رغبة الأمريكيين في القضاء على ذلك الرجل الذي تحداهم وأقض مضاجعهم، وفي نفس الوقت لم تكن نوايا هؤلاء بأحسن من نية ربيبتهم.

فقد شُنت هذه الحرب باسم ثورة التحرير خدمة للإرادة الأمريكية للتخلص من عدوها القذافي لكن لم يكن ذلك إلا هدفًا فرعيًا أما الهدف الرئيسي فكان تفتيت المنطقة بكاملها تنفيذًا لما أطلقته كونداليزا رايس عندما تحدثت مرارًا عن الفوضى الخلاقة والتي تهدف في النهاية إلى خلق بيئة تجعل إسرائيل تتسيد المنطقة وهو في النهاية هدف استراتيجي أمريكي أو قل هدفًا ماسونيًا فأنا ممن يؤمنون بالحرب الأزلية بين الماسون وهم قوى الشيطان الساعية إلى تدمير الكوكب وبين قوى الأخيار الذين أظلنا زمانهم وهم يوشكون على الخروج لمكافحة الماسون والقضاء عليهم لكن ما قبل الظهور إرهاصات ودماء وفتن ليس لها واقع من خيال تخيلناه أو فيلم يستعرض بمؤثراته أشد المعارك والأهوال، بل إن هذه المعارك والأهوال عندما تقع ستكون فوق كل تصور أو خيال.

“هاتوا أيديكم، وافتحوا قلوبكم، وانسوا أحقادكم وقفوا صفًا واحدًا ضد عدو الأمة العربية عدو الإسلام عدو الإنسانية، الذي أحرق مقدساتنا وحطم شرفنا، وهكذا سنبني مجدًا ونحيي تراثًا ونثأر لكرامة جرحت وحق اغتصب”.

كانت هذه كلمات الثائر القذافي في البيان الأول لثورة الفاتح من سبتمبر وكان بعدها القرار بإجلاء الأمريكيين والبريطانيين عن قواعدهم في ليبيا لتصبح ليبيا على يد القذافي ورفاقه ظهيرًا لمصر وعمقًا استراتيجيًا ولتصبح مطاراتها ملجأ للطيران الحربي المصري بعيدًا عن ذراع إسرائيل الطويلة.

لقد أعجب عبد الناصر أيما إعجاب بذلك الشاب البدوي الذي ناطح الإمبريالية الأمريكية وأعلن عن إعجابه ذلك مرارًا، وبعد وفاته بقي ناصر في وجدان القذافي يستلهم منه، فعمد إلى مساندة ودعم الحركات الثورية التي تناهض الإمبريالية حول العالم، حتى أن ريجان الرئيس الأمريكي الأسبق كان قد عبر عن عدائه للقذافي بقوله “إن ما يقلقنا هو أن القذافي يقوم بدور أكبر من حجم ليبيا أضعاف المرات”.

بالنسبة لنا في مصر ماذا جنينا من قتل القذافي؟

واقعًا نحن أكبر الخاسرين.

فبعد أن كانت ليبيا ملاذًا آمنًا لطائرتنا – فليس سرًا يذاع الآن أن طيارينا المقاتلين كانوا يلقنون بأنه في حال تعذر عودتهم إلى قواعدهم لتعرضها لهجوم، فعليهم التوجه غربًا للهبوط في أي مطار ليبي – أصبحت النيران تطلق علينا من ليبيا، وبعد أن كانت ليبيا مستقرة أمنيًا خالية من المجموعات المتطرفة أصبحت تحت سيطرتهم يشنون من خلالها هجومًا تلو آخر على الأراضي المصرية، وبعد أن كانت ليبيا تستورد العمالة المصرية ممن تعذر عليهم العمل في مصر من عمال وفلاحين وأطباء ومهندسين والذين لطالما عادوا بأموال ساعدتهم على بناء مستقبل لهم في مصر، أصبحت ليبيا الآن تصدر لنا  جثث هؤلاء مذبوحين وتصدر لنا الحسرة على دمائهم المسفوكة.

رحل القذافي كما أرادت أمريكا ووكلاءها في المنطقة أن يرحل مهانًا مقتولًا، وتفتتت ليبيا كما أرادوا كذلك ولكن من تحت الرماد سيحلق طائر الفينيق مجددًا وسيخوض الليبيون الشرفاء معركة التحرير الحقيقية ضد كل قوى الشر والإمبريالية الصهيوأمريكية وقتها سيسعد الليبيون بإطلاق اسم القذافي على مواليدهم وسيتفاخرون بأنه كان في يوم من الأيام قائدهم وزعيمهم.

ووقتها سيحل الأمان على ربوع مصر وتكتمل الحماية والمنعة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات