ما كان لقائد عسكري مثل أحمد قايد صالح أن ينهي مشواره العسكري؛ إلا بنهايةٍ تليق ببدايته؛ التي كانت مبكرة للغاية.

هذا الفتى الذي أدمن الانحياز لما كان يمليه عليه ضميره الوطني؛ الذي تشكل منذ الميلاد، تحت حكم الاحتلال الفرنسي الدموي لبلاده لأكثر من 130 عامًا، وتكوينه الثقافي المنحاز لهويته العربية والإسلامية، والانتماء القومي للجزائر بثقافاته المتعددة وجذوره الضاربة في عمق التاريخ الإنساني؛ إلى جانب تركيبته العسكرية التقليدية؛ والتي تميل دومًا لفكرة الهيمنة بمفهومها الإيجابي؛ أو حتى السلبي، إذا ما أخضعناها لوجهات النظر.

المتأمل لسيرة حياة هذا الرجل، ومسيرته؛ ذلك الرجل الذي وصفوه بـ«رجل الجزائر القوي»، والجنرال الأبرز في العقدين الأخيرين، يمكنه أن يلحظ بسهولة (محطات الانحياز) الواضحة في حياته دون مواربة، أو مخاتلة، أو مراوغة سياسية بمعناها الدقيق.

فالمحطة الأولى، كانت في مرحلة مبكرة من عمر أحمد قايد صالح؛ الذي لم يتجاوز السابعة عشر من عمره؛ فعند عودته من زيارة لأخواله بـ«بجاية»، وبدلًا من أن يرجع إلى داره، يحول وجهته فتتحول معها وجهة الجزائر كلها فيما بعد، إذ قرر الفتى «قايد صالح» الانضمام إلى مجاهدي منطقة «الميلية» بجيش التحرير الوطني لمقاومة الاحتلال الفرنسي، وكان ذلك في بداية عام 1957م ، وما لبث صالح إلا أن أصبح من قادة كتائب المقاومة، حتى نالت الجزائر استقلالها عام 1962م؛ فحاز بذلك شرف الانحياز لثورة التحرير الوطني الجزائرية؛ باعتباره واحدًا من الجيل الذي تمم مسيرة الأولين الذين سبقوهم بالجهاد والاستشهاد على هذا الدرب.

بعد الاستقلال، تأهل لبعثة عسكرية للدراسة والتدريب، ثم تخرج من أكاديمية «فيستريل» العسكرية السوفيتية، وبعد عودته تدرج في السلك العسكري، حتى وصل لرتبة لواء عام 1993م، حين تولى قيادة منطقة عسكرية.

وضمن قوة عسكرية جزائرية قوامها 1500 عسكري، وسرب من طائرات الـ«ميج 17»، كان القايد صالح ضمن مَن تمَّ اختيارهم للمشاركة في الحرب العربية ضد الاحتلال الإسرائيلي، حين قررت الجزائر برئاسة هواري بومدين الانحياز والمشاركة إلى جانب مصر في تلك الحرب، ورغم تلك المشاركة الرمزية إلا أن تلك القوة قد خاضت معارك عنيفة في سيناء وضواحي بور سعيد، كما كان له أيضًا شرف المشاركة في حرب أكتوبر 1973م، في القوات الجزائرية التي كان من مهامها حماية مدينة القاهرة آنذاك.

في عام 2004، تولى قيادة القوات البرية، ثم رقي عام 2006م، لرتبة فريق وتولى رئاسة أركان الجيش الجزائري، ومنذ ذلك التاريخ أصبح أحمد قايد صالح الجنرال الأقوى في منظومة حكم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وأبرز حراس نظامه، وربما يرى البعض أن كلا الرجلين قد وجد صاحبه؛ فبوتفليقة ربما أراد استمالة الرجل الأقوى في المؤسسة العسكرية لصفه؛ ليضمن عدم الانقلاب عليه، وليتمترس به في صراعه الخفي مع جنرالات الجيش ومجموعة «ضباط فرنسا» التي لا ينتمي إليها صالح القادم من صفوف الثورة الجزائرية، أما الأخير فهو لم يُرَ يومًا إلا منحازًا لنظام الحكم التقليدي الذي يحكم الجزائر منذ الاستقلال؛ وهذا ربما يضمن له الحفاظ على استقرار هذا النظام الذي يشكل هو نفسه ركنًا أساسيًّا فيه.

ولعل المحطة الأكثر جدلًا وغموضًا في حياة القايد صالح؛ هي علاقته بمجموعة الضباط التي قادت انقلابًا عسكريًا على الرئيس الشاذلي بن جديد، وألغت المسار الانتخابي في يناير (كانون الثاني) 1992م، بعد أن فازت بها جبهة الإنقاذ الإسلامية بالأغلبية الكاسحة، فدخلت البلاد بسبب هذا الانقلاب في دوامة من الدم استمرت لنحو عشر سنوات عرفت باسم «العشرية السوداء».

ليس خفيًا أن القايد صالح كان أحد أركان «نظام بوتفليقة» وذراعه القوية، وأن موقف الرجل من الحراك الشعبي وتطور الأحداث المصاحبة لإعلان بوتفليقة عزمه الترشح للعهدة الخامسة، كان موقفًا ملتبسًا، فقد بدا معارضًا للحراك، متهمًا إياه بأنه «مشبوه»، وأن المتظاهرين «شباب مغرر بهم»، معلنًا تأييده لترشح بوتفليقة للعهدة الخامسة -رغم وضعه الصحي السيء- إلى أن زادت وتيرة الاحتجاجات الرافضة لذلك، مما اضطره لتغيير مواقفه، والانحياز لمربع الشعب، مع العمل على حفظ البنية الدستورية، والمؤسسية للدولة؛ من أن تنخرط في غياهب المراحل الانتقالية، وخطورة ذلك على مستقبل البلاد -حسب رأيه – فعمل على تفعيل المادة (102) من الدستور، والتي تنص على خلو منصب رئيس الجمهورية، ثم دعا لانتخابات رئاسية يشرف عليها الجيش، وعمل على تنفيذها رغم دعوات المقاطعة لها؛ والتي أتت بعبدالمجيد تبون؛ وهو واحد من داخل منظومة الحكم التي ثار ضدها الشعب.

لم يكتف القايد صالح بهذا؛ بل طارد من أسماهم بـ«العصابة»، من مجموعة سعيد بوتفليقة، شقيق الرئيس، والقائد السابق للمخابرات، ومجموعة من القيادات العسكرية، والأمنية الرفيعة، ثم أودعهم السجن العسكري.

وتعهد الرجل بالعمل على حفظ دماء الجزائريين ، وعدم سقوط قطرة دمٍ واحدةٍ في البلاد، وتسليم السلطة للرئيس المنتخب، ورغم هذا كان صارمًا في حرصه على ألا تنزلق البلاد لطريقِ ما أسماه بـ«المؤامرات الخارجية»، صلبًا ممسكًا بيد حديدية على خيار الانتقال الدستوري الآمن للسلطة؛ على وعد بانتهاج سياساتٍ إصلاحية.

وفي الساعات الأخيرة من عمر «جنرال الجزائر القوي»، كانت (محطة الانحياز الأخيرة)، حين التف الجزائريون حول مشهد للتتويج تعددت أطرافه -رغم الخلاف- فهذا القايد صالح يفي بوعده، ويسلم السلطة التي كانت كلها بيده لرئيسٍ منتخبٍ، ورئيس منتخب يقلد الرجل الذي قاد سفينة الوطن في فترةٍ عصيبةٍ «وسام الاستحقاق الوطني بدرجة صدر»، وملايين من الشعب الجزائري تتنفس الصعداء لتجاوز هذا المرحلة، وتعلن عرفانها لمن وعدها فأوفى ولم ينكث أو يخن، وجموع من الحراك الشعبي المصمم على مواصلة نضاله السلمي، حتى يتحقق حلمه في وطن آمن مستقر، ينعم بالحرية والعدالة والتعددية، والتداول السلمي للسلطة.

ومما أعطى هذا المشهد بعدًا دراميًا وإنسانيًا؛ أن يستيقظ الجزائريون بعد ساعاتٍ على خبر رحيل فارسهم؛ الذي كان انحيازه الأخير يليق بانحيازه الأول.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد