رَحَلَ أسدُ الجزائر، الفريق أحمد قايد صالح، قائد أركان الجيش الجزائري، فيما يبدو فاجعة لشعبه، فقد كانت وفاته مفاجِئة وصادمة أشعلت قُلُوب الملايين من الجزائريين بالبكاء، والرثاء، والدعوة له بالرّحمة والمغفرة، فقد وافته المنيَّة بعد أيامٍ فقط من تنصيب الرئيس الجديد للبلاد عبد المجيد تبون، ومنحه وسامًا برتبة «صدر» تقديرًا لمجهوداته في الحفاظ على أمن الجزائر، وكأنَّ الله أخذ روحه بعد أن كُلِّلَت مهمَّته بالنّجاح، وأدّى ما عليه على أكملِ وجه. فما الذي كان بينك وبين الله أيها الفريق أحمد قايد صالح حتى يسخّر الله لك الملايين يدعُون لك بالرَّحمة والمغفرة؟!

وبالنِّسبة لشخصي، فأنا لم أكتب من قبل رسالة شكرٍ ومدح لأيّ مسؤول جزائري أبدًا، ولكن الفريق أحمد قايد صالح الذي جعل الجزائر حزينة تُرثيه، وكأنّ عالمًا من علمائها وافته المنية، يستحقُّ أكثر من هذا بكثير؛ فهو الذي حافظ على سلمية الحراك وأخرج الجزائر إلى بر الأمان.

– فشكرًا قايد صالح لأنك حافظت على السلمية لمدة عشرة أشهر، وأوصلتنا إلى الانتخابات دون سقوط قطرة دمٍ واحدة. شكرا لأنك وعدت بإخراجِ الجزائر إلى برِّ الأمان ووفَّيت.

– شكرًا قايد صالح لصبرك الطَّويل على تلك الشّرذمة التي كانت تُطالب برحيلك وتغاضيتَ عنها، رغم استفزازِها وأكمَلتَ عملك في صمتٍ حتى نَجَحت.

– شكرًا قايد صالح لأنّك كنت قدوةً لأشبالك وأبناء جيشِك ليقتدوا بك مستقبلًا، في وطنيتك وصِدقك في أقوالك ووُعُودك.

– شكرًا قايد صالح لأنّك أصرّيت على الشّرعية الدستورية التي كانت الضّامن الوحيد لبقاء الدولة الجزائرية وعدم انهيار مؤسّساتها، خاصة وسط تربُّص الأعداءِ بها.

– شكرًا قايد صالح لأنّك دافعت بقوة عن ثوابت الجزائر ومبادئها وهويتها: الإسلام، العربية، والوطن الجزائر، ووقفت في وجه المخطَّط الصهيوني لتقسيم البلادِ بين أمازيغ وعرب.

– شكرًا قايد صالح لأنّك فكَّكت الألغام من الخونة الذين كانوا على وشكِ تفجير الوضع، وكشفت لنا عُملاء فرنسا باستراتيجِيتك المُحكمة.

– شكرًا قايد صالح لأنّك رفضتَ إخراج الدَّبابة إلى الشارع، حينما طُلِبَ منك ذلك، وقلت إنّ سلاح الجيش موجه للعدو وليس للشعب.

– شكرًا قايد صالح لجعل الرئيس الأسبق عبد العزيز بوتفليقة يستقيل، وقلت له: عليك أن ترحل الآن، فقد صار بقاؤك سخرية لسيادة الدولة، وإذلالًا لكرامة الناس.

– شكرًا قايد صالح لأنك فعلت ما عجز عنه جميع الرؤساء وقادة الأركان منذ الاستقلال، ودخلت التاريخ.

– شكرًا قايد صالح لأنّك حطَّمت مشروع الدولة العميقة التابعة للمنظّمات الماسونية والصهيونية، وهَدَمتَ المعبَد على رؤوس كهنته.

– شكرًا قايد صالح لأنك تقدمت بالجيش إلى المرتبة السابعة والعشرين عالميًّا، وجعلت الأعداء تهابك، شكرًا لأنّك أَعدتَ الهيبة على حوض البحر المتوسّط.

– شكرًا قايد صالح لأنك أرجعت السيادة للجزائر، ورميت رموز الفساد التي نهبت خيرات البلاد وراء القضبان.

– شكرًا قايد صالح لأنك وعدت بانتخابات نزيهة ووفّيت، شاهدنا من خلالها أوّل مناظرة في تاريخ الجزائر بين المترشحين.

– شكرًا قايد صالح لأنك تبنَّيت مشروع إنهاء الوصاية الفرنسية مع أشبالك، وأعلنتَ الاستقلال بانتخاب رئيس الجمهورية الجديد.

– شكرًا قايد صالح لأنك جعلت الشعب يُؤمن بجيشه وقائده، وأنَّ الجيوش العربية ليست كلّها انقلابية تدميرية، همُّها السلطة وخدمة أسيادها.

– شكرًا قايد صالح لأنك لم تستغل نفوذك، وكنت صادقًا حينما قلت: «لا طموحات سياسية لنا». شكرًا لأنّك لم تستغلّ الحراك في الاتجاه السلبي من أجل إعادة إحياء «النظام القديم» من جديد.

– شكرًا قايد صالح لأنّك لم تسمح بالتدخل الخارجي في الجزائر وتدوِيل القضية في البرلمان الأوروبي، بل أنذرتهم من خلال المناورات البرية والبحرية.

– شكرًا قايد صالح لأنّ كلمة الشعب كانت هي الأولوية دائمًا في خطاباتك، وحمايته هي الأولوية في الواقع، وجسدت ذلك في تسخير كلّ وحدات الأمن خاصَّة أيام الحراك، للكشف عن الألغام، وما يمكن أن يعفّن الوضع.

– شكرًا قايد صالح لأنك كشفت عن معدنك وعن رقيّ مبادئك؛ كونك لم تنتقم ممّن تآمروا عليكَ وعلى الوطن، وتلطّخت أيديهم بدماء الجزائريين في التسعينيات، وتَركتَ العدالة تحاسبهم بشكلٍ قانوني.

– شكرًا قايد صالح لأن التاريخ سيكتُبُ بأحرف من ذهب أن جنرالًا، اجتمعت في يده كلّ السلطات، إلاَّ أنه لم يطغ ولم يتجبّر كسابقيه، وأبى إلاّ أن يردّ الأمانات إلى أهلها.

– شكرًا قايد صالح لأنّك هزمت الخونة في حياتك وفي موتك أيضًا هزمتهم حين جعلتهم يفقدون شرفهم بالتشفّي في موتك، في حين جعلت الجزائريين على قلب رجل واحد، وحرّكت فيهم مشاعر الطيبة، والعطف، والرحمة.

– فشكرًا أيها القائد صالح نحسبك من الشهداء ولا نزكي على الله أحدًا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد