الخامس من يونيو (حزيران) 1967، لم تكن نكسة 67 إلا هزيمة عسكرية للجيش المصري، ولكن الشعب المصري بقيادة جمال عبد الناصر حولها إلى نقد، ثم نفض ثم تصحيح، ثم بناء، ثم انتصار، ليس غريبًا أن يخسر جيش ما معركة عسكرية، القيادة المخلصة المتحررة إلا من الولاء للوطن والشعب حولت الهزيمة إلى انتصار.

الهزيمة العسكرية شيء، وانهزام الإرادة والاستسلام شيء آخر. الانتكاسة الحقيقية للنضال العربي كانت في جريمة الانفصال.

انفصال سوريا عن مصر وسقوط دولة الوحدة، وانقضت جحافل النفوذ الأجنبي مع كل أتباع الرجعية والإقليمية العربية واليسار واليمين الرجعي والديني، انقضوا جميعًا لتهشيم حلم الوحدة. لتحطيم فكرة الوحدة، هؤلاء أنفسهم جميعًا كانوا مستنفرين لتصوير نكسة 67، وكأنها سقوط نهائي لحركة النضال العربي، كانت الخطط محضرة سلفًا، وبرامج العمل وحملات التجييش ضد تجربة جمال عبد الناصر معدة بعناية واتقان لاعتبار النكسة انتهاء للتجربة ولعبد الناصر، كل إمكانات المشروع الأمريكي الصهيوني وضعت للقضاء على التجربة الوحدوية التحررية. وشارك مثقفون كثيرون من أبناء الأمة في تلك الحملة النفسية المرعبة لفرض اليأس والاستسلام على الإنسان العربي ونزع ثقته بقيادة عبد الناصر، ولا يزال مسلسل تهميش جريمة الانفصال وعملقة نكسة 67 مستمرًا.

نكسة يونيو

اصبح من المسلمات التاريخية أن حرب 5 يونيو 1967 كانت معدة بإتقان شديد وبتواطؤ عربي ودولي لإسقاط جمال عبد الناصر، وكل المشروع العروبي الوحدوي التحرري، أمريكا بكل جبروتها وامتداداتها، الغرب الاستعماري، طائرات أمريكا انطلقت من ليبيا لتدمير الطيران المصري، الاتحاد السوفيتي (الصديق) طمأن مصر أن إسرائيل لن تكون البادئة بالحرب، وبضمانته هو. وهو الذي كان ينقل إليها أنباء الحشود الإسرائيلية ضد سوريا، ساهم بفعالية في تهيئة الأجواء للحرب، حتى نظام سوريا آنذاك ودوره التحريضي المتزايد. عدا عدم مشاركة الجبهة السورية بأية عمليات عسكرية، وسحب الجيش السوري من الجولان والإعلان عن سقوطه قبل دخول الجيش الإسرائيلي إليه وما عرف بـ(البيان 66)، جيوش من وسائل الإعلام العربي والدولي كانت جاهزة مجهزة لتبدأ حربًا نفسية والعلامية وثقافية ضد جمال عبد الناصر وتجربته، في ذات الوقت مع الحرب العسكرية ضد مصر، انتهت الحرب العسكرية، ولكن الحرب النفسية والثقافية استمرت بضراوة لتفسير الهزيمة العسكرية بما يفيد بانهيار المشروع الناصري، وانتهاء أمل الوحدة والتحرر والاستقلال، وانخرط مثقفون كثيرون وحركات سياسية كثيرة لتأييد وتعميق هذا التفسير، ولا تزال مستمرة جهود عملقة هزيمة 67 العسكرية وتحويلها إلى جنازة لكل ما هو إيجابي في حياة العرب وتجرية جمال عبد الناصر.

جمال عبد الناصر والوطن

التاسع والعاشر من يونيو 1967.. جمال عبد الناصر القائد الثوري تحمل مسؤولية النكسة وتنحى عن الرئاسة ليخضع للتحقيق ويتابع دوره كمواطن عادي، لا شيء أغلى من الوطن، كل الولاء للشعب والوطن.

سلوك عظيم لا يقدر عليه إلا العظماء، والأعظم منه خروج الشعب المصري رافضًا التنحي متمسكًا بقيادة عبد الناصر الثورية. فالشعب يعرف معنى ودور ووظيفة القيادة تمامًا، ويدرك أن ما يحتاجه التصحيح وإعادة البناء متوفر في جمال عبد الناصر، ارتباط غير مسبوق من حيث العمق والوضوح والشمول والحب الجارف والولاء المتبادل المخلص بين جمال عبد الناصر والشعب، إخلاص، صدق، ولاء، شجاعة ثورية، تواضع، مؤهلات قيادية فريدة، تحولت جميعها فصنعت حبًا متبادلًا لم يعرف التاريخ الإنساني كله مثيلًا له بين زعيم سياسي وشعبه.

أما من ينحرون الشعب والوطن وما فيهما من أجل البقاء في السلطة أو على رأسها أو عند أذنابها فليسوا من الوطنية في شيء، لا بل هم أعداء للشعب والوطن، أيًا كانوا، وأيًا كانت شعاراتهم أو لافتاتهم.. جمال عبد الناصر قيادة ثورية فذة استطاعت تفجير الإمكانيات الإيجابية الهائلة الكامنة في الشعب المصري والعربي، رغم كل التحديات من كل حدب وصوب.

لا لكل أنواع العصبيات الانقسامية، بقاء العرب رهن بوحدتهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد