«عاشت الجمهورية العربية المتحدة»، «عاش الرئيس جمال عبد الناصر» هتاف ما زال يرن في الأذن، ويصل صداه إلى ما لا نهاية هتفت به وغيري من الأطفال في عمر الـ6 سنوات  من ضمن آلاف هتفوا في مدارس مصر المحروسة قبل رحيل الزعيم جمال عبد الناصر، كان ذلك عام 1969. في طابور المدرسة الصباحي، كنا في سنة أولى ابتدائي نلهو ونلعب ويداعب بعضنا بعضًا، ونتسابق في من منا يبرز وطنيته بالهتاف للزعيم الراحل، ونقول لبعضنا البعض «لو أنك ابن جمال عبد الناصر فهل تقدر أن تفعل كذا وكذا» مثلًا تعبر مجرى مائيًّا عرضه متران قفزًا أو ما شابه ذلك من لهو الأطفال، ومن ضمن الهتافات التي كنا نزهو فخرًا بها «موشى ديان الهش الهش ضرب مراته في صحن المش» إيمانًا منا أننا نساهم بهذا الهتاف في دعم المجهود الحربي أثناء حرب الاستنزاف، وهو هتاف في الأساس ممزوج بالأسى وقلة الحيلة في رد عار الهزيمة التي ألحقتها بنا إسرائيل في عام 1967، كنا صغارًا ونؤمن أن الرئيس هو مصر، ومصر هي الرئيس هو كل شيء ولا غيره شيء، (بفعل تعبئة عامة لم يسعَ إليها عبد الناصر بل هي من سعت إليه، وإحقاقًا للحق أنه الزعيم صاحب الكاريزما التي لا تقارن/ مدهشة/ جاذبة/ متوهجة)، ليست في حاجة مني لأتحدث عنها الآن. الرجل له ما له وعليه ما عليه، اجتهد فأنجز، سعى فنجح أحيانًا وفشل أحيانًا أخرى، لقي هزيمة مريرة على يد العدو، ولم يمقته الشعب والتف حوله، وتبقى تجربته أنا أو غيري أصغر من أن نقيمها، لكنها تبقى في مجملها 18 عامًا كحلم مضى على مصر وشعبها في حينها، مزيج بين الفخر والزهو والانكسار والتراجع. حقق انتشارًا عالميًّا، أسس دول عدم الانحياز مثلث «ناصر، تيتو، نهرو» الأشهر في التاريخ الحديث لقيادة تطلعات شعوب العالم الثالث.

حكاية مصرية

عبد الناصر حكاية مصرية قبل أن تكون تجربة حكم أتى بعد فترة حكم أسرة محمد علي، أتى بعد نظام حكم ملكي ودولة دستورية، تؤمن بالديمقراطية وتعدد الأحزاب، أتى في ظل توهج حزب الوفد بقيادة مصطفى النحاس، وعراقة الوفد القديمة وزعيمه سعد زغلول. حكاية مصرية يؤمن بها قطاع كبير من الشعب بأنها حقبة العزة والكرامة، ويكفر بها قطاع من الشعب أيضًا بأنها حقبة الذل والمهانة، هكذا هم المصريون، قد ينقسمون فيما بينهم، لكنهم يجتمعون على حاكم ويحملونه على الأعناق، ويربطون حبه وعشقه بحب وعشق الوطن أحيانًا والعكس أحيانًا أخرى، وهو تصور خاطئ بالطبع، فالفارق شاسع بين أن تعشق شخصًا وتربط عشقه بحب وعشق الوطن، فهم يرون كل ما يقدم عليه لا يحتمل المراجعة ولابد من مباركته وتسديد خطاه، لا مجال لأمر وسط، فالحاكم إذا قال أصاب، وإذا أخطأ توجد له المبررات. «قال تيران وصنافير سعوديتان فرفعوا علم المملكة في قلب مصر»، ومن يقل غير ذلك فهو خائن كاذب متآمر، وهو أمر أقل ما يقال عنه أنه يؤدي لكوارث كما جرى في الماضي، وكأننا لا نعير التجارب أي اعتبار، مع أن التجارب هي من تعلم وتقوّم ويستفيد منها العظماء.

التجربة التي يصعب تكرارها!

البعض الآن يريدون استعادة الماضي ليكون نبراسًا للمستقبل، وهو أمر رائع ومغرٍ، لكن أي ماضٍ تريدون، ماضي الزعيم الواحد الذي لا يخطئ، أم ماضٍ كتجربة نفعلها أمامنا لنستفيد بها في تعزيز الحاضر والتطلع للمستقبل، القراءة خاطئة بالتأكيد، فالزمان والمكان تغيرا، وطبيعي أن تتغير الأشخاص، واليوم يريد البعض تكرار التجربة بكل حذافيرها، بأن يكون الرئيس هو الوطن، والوطن هو الرئيس، ومن يهتف باسمه فهو يهتف باسم الوطن، ومن يعارض سياسته فهو لا يحب الوطن، معادلة صعبة بين أن تعشق شخصًا وأن تعشق وطنًا، فالوطن باق والأشخاص زائلون، هكذا يعلمنا التاريخ. التجربة التي يريدونها ليس الزمان زمانها على الإطلاق، فقيادة شعب في اتجاه واحد بدون النظر خلفه أو يمناه ويسراه ما عادت تفيد الآن، وأثبتت فشلها في السابق فالإعلام كانت تصنعه الأنظمة وتطوعه لخدمة أهدافها، وهو ما كان عليه الوضع في عهد ناصر، الآن الشعوب هي من تصنع الإعلام وتطوعه لتحقيق أهدافها، ما عاد الأمر بيد النظام، فيسبوك وتويتر وغيرها من السوشيال ميديا، تحررها الأفراد بلا سلطان عليها، وهو أمر غاية في التعقيد، لأنها باختصار تنغص حياة الأنظمة المستبدة وتهددها بشكل قوي، فمعظم النار من مستصغر الشرر.

** عاشت مصر وطنًا للجميع وبالجميع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد