واجه الصحافيون خلال العقدين الماضيين بعض المصائر الرهيبة. بدايةً من خطف الصحافي الأمريكي دانيال بيرل، وتعذبيه وقتله في كرانشي بباكستان على يد أفراد تنظيم «القاعدة»، ثم جيمس فولي المصور الذي تم اختطافه أثناء تأدية مهامه وتغطية الأحداث السورية، وانتهي به الأمر بقطع رأسه على يد أفراد «تنظيم الدولة الإسلامية»، ثم ستيفن سوتلوف الذي لاقى نفس المصير أيضًا، ثم كانت كل من الصحافية الاستقصائية آنا بوليتكوفسكايا من روسيا، وخافيير فالديز من المكسيك، ودافني كاروانا غاليتسيا من مالطة، ضحايا للاغتيال المستهدف، سواء كان عن طريق السيارات المفخخة، أو الأعيرة النارية، والمثير للدهشة أن كل هذه القضايا لم يتم التحقيق فيها أو توجيه التهم إلى طرف معين بحد ذاته.

ولكن إذا كان ما يزعم عن اختفاء كاتب العمود الصحافي جمال خاشقجي في 2 أكتوبر (تشرين الأول) صحيحًا فقد يُمثل ذلك إنذارًا بأزمة دولية كبرى على وشك الحدوث، فقد تم إرساله إلى القنصلية السعودية في إسطنبول، ثم تم قتله وتمزيق جثته من قبل فريق أرسله البلاط الملكي السعودي؛ ما يجعل مقتل خاشقجي المزعوم المثير للغثيان هو جريمة في حق الصحافة واستقصاء الحقائق.

هناك الكثير من الحقائق التي لم تُكشف بعد بالتأكيد، ولكن حتى لو كان القصد فقط هو اختطاف خاشقجي وعدم قتله، كيف يُمكن أن المملكة العربية السعودية – حليف الولايات المتحدة الحيوي الذي يدعي أنه ممثل مسؤول على المسرح العالمي – أن تُفكر في القيام بمثل هذا الإجراء؟ ربما يكون السبب هو استخدام العنف والقمع لفرض الرقابة على وسائل الإعلام لإجبارها على عدم كشف الحقائق والأمور الخفية في السياسات السعودية.

ربما هذا هو السبب أيضًا في أن العديد من الصحافيين يتعرضون للسجن والقتل. حيث تم سجن 262 صحافيًا في جميع أنحاء العالم في نهاية العام الماضي، وفقًا لبحث أجرته لجنة حماية الصحفيين. انخفض العدد الإجمالي للصحافيين الذين قُتلوا سنويًا من منتصف السبعينات، لكن عدد الصحفيين المقتولين ارتفع بشكل كبير هذا العام إلى 27 صحافيًا. كان هناك 19 حالة وفاة في عام2016، و18 في العام الماضي. ومن بين المشتبه بهم في عمليات القتل جماعات إجرامية ومنظمات إرهابية وحكومات. في حوالي 90% من هذه الحالات، مرّ الجناة بلا عقاب.

تدرك القوى القوية في جميع أنحاء العالم التهديد الذي تشكله الصحافة وجمعيات استقصاء المعلومات وهي مصممة على السيطرة عليها؛ حيث قامت مثلًا الدولة الإسلامية بشكل منهجي بمطاردة وقتل أي شخص تحدى رقابتها الشاملة وقام بنشر الحقائق والوقائع التي تبين حقيقة الأوضاع. وتخشى الحكومات، بما فيها تلك الموجودة في بعض بلادنا العربية، من المظاهرات الشعبية، ومن ثم تقوم بقمع التقارير الصحفية عن الفساد والمخالفات التي يمكن أن تجلب الناس إلى الشوارع.

إن الحملة ضد الصحافة هي جزء من اتجاه عالمي أوسع نطاقًا، حيث نفذت روسيا وكوريا الشمالية وأنظمة استبدادية أخرى هجمات خارج أراضيها على منتقديها ولم تواجه سوى توبيخ متواضع من المجتمع الدولي.

وفي الوقت نفسه، فإن الاهتمام المشروع بنشر المعلومات المضللة والمعلومات الخاطئة عبر الإنترنت هو تمكين الرقابة، بما في ذلك قيام الحكومات بممارسة الضغط على شركات الإنترنت لإزالة المحتوى المهم الذي لا يُعجبهم.

تشكل أزمة حرية الصحافة تهديدًا للنظام العالمي. نحن نعيش في عصر المعلومات، إلا أن الأشخاص الذين يحضرون لنا الأخبار والمعلومات يتعرضون للسجن والقتل والرقابة على مستوى غير مسبوق. يجب أن يُنظر إلى الاحترام اللائق لحرية الصحافة على أنه مبدأ إرشادي في العلاقات الدولية، وهو مبدأ لا يمكن تحويله إلى اعتبارات استراتيجية شكلية.

وتتعدد السُبل والوسائل للحكومات التي تنتهك بشكل روتيني حقوق الصحافيين – ويأتي ذلك إما عن طريق التسامح مع العنف ضد الصحافة أو ارتكابها بنفسها. ومن الأمثلة الحية على ذلك ميانمار، المعروفة أيضًا باسم بورما، التي حكمت على صحفيين اثنين من رويترز بالسجن لمدة سبع سنوات انتقامًا من تقاريرهما عن مذبحة تورط فيها قوات الأمن.

وبالنسبة للتعامل العالمي مع قضية اختفاء خاشقجي، كان الرئيس ترامب، الذي أقام علاقة وثيقة مع العائلة المالكة السعودية ، بطيئًا في تجاوز التعبير المبدئي عن القلق قبل أن يقول في نهاية الأسبوع الماضي، لا يمكننا السماح بحدوث ذلك للصحافيين.

يجب أن يستمر العالم في التحدث مباشرة وبقوة عن اختفاء خاشقجي والذي من شأنه أن يبعث برسالة إلى السعوديين مفادها أن بعض المبادئ لا يمكن انتهاكها. كما أنه سيبعث برسالة إلى جميع الأشخاص حول العالم الذين ينتهكون حقوق الصحافيين بشكل روتيني ويعتقدون أنهم يستطيعون الإفلات من العقاب واتباع سياسة تكميم الأفواه وتكسير الأقلام.

إن عملية اختفاء الصحافي السعودي جمال خاشقجي سيكون له العديد من الضحايا، بدءًا من عائلته وخطيبته، ولكن ما لم تتحدث الحكومة السعودية وتتصرف بسرعة وبصدق عن هذا الحدث الرهيب، فإن سمعتها ستحمل ضررًا لا يمكن إصلاحه.

لقد ناقش المدافعون عن النظام الجديد تأثير تولي محمد بن سالمان مقاليد الأمور بالمملكة. على الرغم من اتسام سياساته بالاستبداد والحكم المطلق، إلا أنه استخدم جزء من سلطته بعقلانية لتحقيق الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، وتحديث بلاده ومعالجة العديد من المشاكل التنموية التي تعيق المملكة العربية السعودية رغم ثرواتها. ويبدو على سبيل المثال، أنه قد كبح جماح رجال الدين المحافظين بشدة ، وبدأ في تحسين وضع المرأة ودورها، واعتمد خططًا تهدف إلى خلق اقتصاد منتج لا يعتمد فقط على إنتاج النفط.

ولكن لم يكن هناك أي إصلاح سياسي قط. تم قمع النقاد الداخليين بشدة. وتم تفسير هذا تحت إطار نموذج المستبد المستنير. وبرر المدافعون عن النظام أن خطوات التحديث التي يقوم بها ولي العهد جذرية وتواجه العديد من الأعداء الداخليين، لذا فإن قياس وتيرة التغيير الصحيحة هو قرار حساس ومصيري ويجب عليه أن يبقيه في يديه، ولا يمكن أن يسمح للضغط العام إما بالسرعة أو الإبطاء. وكان احتجازه للكثير من السعوديين الأغنياء جدًا في فندق ريتز كارلتون في الرياض إلى أن دفعوا مبالغ مالية ضخمة إجراء لاقى استحسان وشعبية كبيرة في المملكة، لأنه كان يُعتقد على نطاق واسع أن قلة من هؤلاء الرجال قد كسبوا ثرواتهم بشكل مشروع. في العام الماضي، تساءلت معظم المناقشات حول السعودية حول ما إذا كان برنامج الإصلاح الرائع لولي العهد قد ينجح فعلًا. وزادت زيارته الناجحة للغاية التي استمرت أسبوعين للولايات المتحدة هذا العام من هذا الحماس.

القتل المزعوم لخاشقجي هو ضربة قاضية لكل هذه الآمال والتوقعات، ما لم يتمكن السعوديون من شرح ما حدث وتقبل المسؤولية الكاملة. أولًا، ليس هذا هو الحدث الوحيد الذي يثير تساؤلات حول اتخاذ القرار في الرياض. هذا العام، ظهر العرض الأولي العام المخطط للأسهم في شركة النفط الحكومية (أرامكو) واختفى مثل سراب الصحراء؛ مما يوحي بأن خطط ولي العهد الاقتصادية قد لا تكون واقعية.

ثانيًا: جاء مقتل خاشقجي بعد بضعة أسابيع من رد الفعل السعودي الغريب على النقد المُوجه من كندا، والذي اتخذ شكل مجرد تغريدة تُعبر عن استيائهم عن بعض الانتهاكات لحقوق الإنسان. وجاء الرد السعودي مُخالفًا للتوقعات حيث تم استدعاء سفيرهم من أوتاوا لبعض الوقت، ثم أعادوه إلى بيته بشكل دائم، وقاموا بطرد السفير الكندي في الرياض، ومنع الرحلات الجوية بين البلدين، وأمر الطلاب السعوديين بمغادرة كندا، واتخاذ عدة خطوات لتقليل العلاقات الاقتصادية والمالية مع كندا. كل ذلك بسبب تغريدة فقط.

سيكون قتل خاشقجي على حد سواء: جريمة كبرى وخطأ عظيم. إنها تشير إلى نظام بدون إجراءات وضوابط داخلية. قد لا يدرك السعوديون التأثير الواسع لهذه الخلاصة على الحكومات والمستثمرين، لكنه سيكون عميقًا. ستصبح عملية اتخاذ القرار في السعودية موضع تساؤل، وستصبح موثوقية الحكومة كشريك غير مؤكدة. يمكن لولي العهد إصلاح بعض الضرر الناتجة عن هذا الأمر؛ ما يجب أن يدركه ولي العهد هو أن برنامجه للتحديث الكامل، بل كل دفاعه عن قوته الشخصية، يوحي ذلك بأنها جريمة قتل مخططة بعناية. فقد فقد جمال خاشقجي السيطرة على مصيره عندما دخل القنصلية السعودية في إسطنبول. يجب على محمد بن سلمان التصرف بسرعة لاستعادة السيطرة على بلده.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد