هل هم بشر؟ هكذا تساءلت خديجة جنكيز خطيبة الصحافي الراحل جمال خاشقجي، بعد نشر الصحف التركية تسريبات من نتائج التحقيقات، التي أفادت بأن قتلة جمال أذابوا جسده بالأحماض في منزل القنصل السعودي، بعد أن كانوا قد قطعوه مسبقًا داخل القنصلية، السلطات السعودية أنكرت في البداية معرفتها أي شيء عن مصير جمال، بل أعربت عن قلقها عليه، قبل أن تغير روايتها أكثر من مرة، في تخبط شديد من الإدارة السعودية طرح العديد من الأسئلة التي لم تجب عنها المملكة حتى الآن.

لماذا؟

سؤال مهما بحثت له عن جواب فلن تجد؛ لأنه لا حجة في هذا العالم ستكون مقنعة لتبرير قتل شخص كجمال خاشقجي، رجل مستقل معتدل لا يعادي أحدًا، جل ما أراده مساحة كافية للتعبير عن رأيه وأفكاره بحرية. فما الذي دفع النظام السعودي لتصفيته بهذه الطريقة البشعة؟ خاشقجي كان يرفض تسميته بالمعارض، حتى إنه دافع عن النظام السعودي وعن محمد بن سلمان نفسه في أكثر من مرة، ولكن «جمال» رفض أن يبيع الوهم للناس.

ففي أواخر فترة إقامته في المملكة كان جمال ممنوعًا من الكتابة، ذلك قبل أن يتلقى اتصالًا من أحدهم على حد قوله، طالبًا منه أن يعود إلى الكتابة على شروطهم هم، فرفض خاشقجي ذلك وغادر إلى الولايات المتحدة، وهناك برز صوته أكثر وأعلن رفضه لما يحدث في الوطن العربي بشكل عام للحريات، وبشكل خاص في السعودية ومصر، رفض عملية التشويه الممهنجة للإسلاميين – مع أنه لم يكن منهم- في البلدين، دافع عن القضية الفلسطينية، وكان مناصرًا للربيع العربي، ودعا إلى إعادة إحيائه. ولأنه لا مجال لتشويه سمعته أو شراء موقفه، كان لا بد له من أن يختفي من على وجه الأرض.

عندما تباع الضمائر تسقط المصداقية

منذ تولي ابن سلمان ولاية العهد في السعودية، والسيسي رئاسة جمهور مصر العربية، لم يعد إعلام البلدين سوى أداة في أيدي السلطة، ووسائل الإعلام الممول من الأيدي الحاكمة فقدت مصداقيتها أمام الناس لسذاجتهم التي جعلتهم مادة دسمة للبرامج الساخرة، وسذاجتهم في التعامل مع هذه الأزمة زادت الأمر سوءًا.

في بداية الأمر جزموا أن من وراء هذه الفعلة قطر، الشماعة التي يعلقون عليها دائمًا أخطاء مموليهم، وحتى إن بعضهم جرد قطر من صفة الدولة؛ لأنه على حد قوله: هذه أفعال مافيا، وليست أفعال دول، زاد حرج هؤلاء عندما أعلنت السعودية مسؤوليتها عما حدث، ولكنهم سيقولون أي شيء «لأكل العيش» فبدأوا يتغنون بشفافية المملكة والسرعة الكبيرة التي استطاعت فيها السلطات السعودية الوصول إلى حقيقة الأمر، ففعلًا «شر البلية ما يضحك».

حنكة الأتراك زادت الضغوط

تعاملت الإدارة التركية مع الأزمة بهدوء شديد، فبداية رفضت توجيه الاتهامات لأحد، وحتى بعد أن جمعت الاستخبارات التركية أدلة وتسجيلات صوتية احتفظت بها لنفسها وفضلت أن تنتظر، وكانت مع كل تصريح أو بيان سعودي رسمي، تنشر تسريبات تفند الروايات السعودية؛ مما أدى إلى تخبط السلطات السعودية، وأثبتت للعالم أنها تخبئ شيئًا ما، وحتى محاولات الملك وولي عهده التقرب من أردوغان بالمغازلات الإعلامية كانت دون جدوى. بالإضافة إلى أن المماطلة في التحقيقات ونشر الأدلة زادت الضغوط على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب؛ لأن الوقت ليس في صالحه، بينما تركيا على الطرف الآخر تملك من الوقت ما يزيد عن حاجتها.

هل فعلًا محمد بن سلمان لم يكن يعلم؟

السلطات السعودية، وكل من يقبض من خزائنها ما زالوا مصرين على إخلاء مسؤولية ولي العهد من الجريمة، بحجة أنه لم يكن يدري بما يحدث، قد يكون ابن سلمان بريئًا من دماء جمال – ولو أنه احتمال ضعيف جدًا- ولكن سياساته المتهورة واستبداده الذي لم يعرف حدودًا، جعله بأعين العالم كالراعي الذي لم يعد يصدقه أهل القرية، بالإضافة إلى أن عملية اغتيال بهذا الحجم، ولشخصية معروفة ومؤثرة كجمال خاشقجي، لم تكن لتتم دون موافقة مباشرة من رأس السلطة السعودية الفعلي، ألا وهو محمد بن سلمان، فهل حقًا لم يكن يعلم؟

جريمة بشعة، تخطيط سيئ وتنفيذ أحمق، ملخص ما حدث داخل أروقة القنصلية السعودية في إسطنبول، وحتى تاريخ كتابة هذا المقال يبدو أن القاتل الحقيقي لجمال سينجو بفعلته، وستعود الحياة إلى طبيعتها، ليهنأ قاتل خاشقجي، إذ إنه لا يدرك أن نهاية جمال التي أخرجها هو ستكون بداية لمليون جمال من بعده يكملون النضال من أجل الحرية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

آراء, حريات
عرض التعليقات
تحميل المزيد