حسنًا اعترفت المملكة العربية السعودية لأول مرة منذ 2 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري بمقتل جمال خاشقجي داخل قنصلية بلاده في إسطنبول. أرى ابتهاجًا كبيرًا بالاعتراف الرسمي، الأمر الذي شفى غليل الملايين من العالم التي خافت أن تذهب دماء جمال هكذا سدى! وهذا مفهوم ومقبول وجميل، ولكن ماذا بعد؟!

1-من الناحية الرسمية التركية، ربما نجح التركي على مدار 18 يومًا بالتمام والكمال في أن يخبز ويعجن ويطهيَ السعودي على نار هادئة حتى انتزع الاعتراف الرسمي أخيرًا، ولكن ما الخطوة المقبلة في ظل ما هو متوقع في مثل هذه الحالات؟ الجانب التركي منذ اليوم الأول صدَّر للعالم رسالة واحدة وواضحة: لن نبرم صفقة مقابل هيبة تركيا وأمنها الداخلي والقومي، وسنعلن للعالم كله مسؤولية الأشخاص الذين تورطوا في هذه البربرية مهما كانوا ومهما كانت مناصبهم الرسمية والسياسية!

2-حسنًا ربما الذي سيتبادر إلى ذهنك في تفسير جملة مهما كانت مناصبهم أنَّ الجانب التركي يعلم من الباب الخفيِّ مسؤولية محمد سلمان المباشرة عن واقعة القتل الوحشي؛ إذ لا تمرّ ذبابة لتتنفس قليلًا من الهواء السعودي إلا بموافقة الثلاثيني النهم المتعطش إلى خلافة أبيه، وكذلك سيتبادر إلى ذهنك إصرار تركيا على الضغط بأقصى درجة على السعودية لتغتنم فرص ذهبية جاءتها، أو لتصفيَ حسابات قديمة مع ولي العهد الذي ربما تطيح به عملية استخباراتية غبية بامتياز، ويبقى السؤال هنا.. في ظل عودة فرقة الاغتيال إلى السلطات في الرياض في حضن بابا وماما، ما الذي سيتبقى لتركيا فعله كي تصل إلى المسؤول الأول والمباشر عن عملية القتل البربرية هذه؟ يعني وإن اكتشفت السلطات التركية بقايا دماء خاشقجي هنا أو هناك . كيف سنصل إلى المسؤول الأول والمتورط الرسمي الذي أصدر أمرًا بالقتل الوحشي لصحافي مهما كانت خلافاته معه؟ أم أنك تنتظر مثلًا أن يخرج النائب العام السعودي ليعلن عقب استجوابه للموقوفين اعترافهم بمسؤولية ولي العهد السعودي عن إصدار الأمر بقتل جمال داخل القنصلية! أنا فعلًا أسأل هنا لأشارككم الفكر لا لأنشر إحباطًا أو يأسًا من مصير محتوم لقضية كهذه؟ ماذا على التركي أن يفعل بعد ذلك؟

3-كبشا الفداء الرسميان هما سعود القحطاني وزير الذباب الإلكتروني الرسمي وأحمد عسيري نائب الاستخبارات العامة، حسنًا، هذا كل ما في الأمر؟!

4-السياسة براجماتية واضحة، ولا يمكن لأحد أن يمنع دولة في التفكير في مصالحها الاقتصادية أو شراكتها الدولية، فهل ستكتفي أنقرة بالبحث عن بقايا الجثة دون الوصول إلى المسؤول الأول إن كان يمكنها الوصول كما سألت من قبل؟ وهي في هذا ستكتفي بما حققته من براعة في التعامل بالقطَّارة مع الرأي العام العالمي في نشر الأخبار مقابل مصالحها مع السعودية أو ما ستناله من مكاسب. أم أنَّها ستنضم لمعسكر الواصلين إلى أبعد نقطة تماشيا مع تصريحها الأول، وهنا ستنتقل إلى خانة المطالبين برأس المسؤول الأول، وربما تذهب بعيدًا في المطالبة بتغيير القوانين الدبلوماسية بحيث يتاح للدولة المستضيفة أن تحتجز أفراد البعثات الدبلوماسية بمجرد الشبهة في أعمال جنائية، وهنا سيكون أول الخيط ـ قنصل المملكة ـ في إسطنبول وآخره في الرياض ولي العهد . عمومًا السياسة قذرة والعالم متسخ نجس. لذلك درب نفسك على كل الاحتمالات، ولا ترمِ أملك بعيدًا في بئر أحد، وتذكر أننا لم نوعد بعدل كامل في الدنيا.

أما في الجانب الأمريكي

1- أنا كغيري منتظر لرد الفعل الأمريكي الرسمي والشعبي بعد اعتراف المملكة رسميًا بمقتل خاشقجي بداخلها، خصوصًا بعد نفي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وأخيه خالد بن سلمان سفير المملكة في واشنطن قطعيًا لأي حادث جنائي أو علمهم بمكان اختفاء جمال، وتأكيدهم على خروجه من القنصلية بعد إنهاء معاملته! وتأكيد خالد بن سلمان على تعطل كاميرات تسجيل القنصلية في ذلك اليوم، أما بالنسبة للرجل الخامس والأربعين الذي يجلس على كرسي الرئاسة في البيت الأبيض – هكذا تصفه الصحافة المحلية – فأخرج كعادته تصريحًا منذ قليل وهو في أريزونا يقول بإنه يقبل الرواية السعودية الرسمية ويراها منطقية، بل إنه سيتحدث مع ولي العهد السعودي في هذا الشأن، وسيحثه على استكمال التحقيقات! وهو نفسه ترامب الذي خرج بالأمس ليعلن بشكل صريح توقيع عقوبات رادعة وعواقب عنيفة على السعودي إن ثبت تورط المسؤول الرسمي السعودي في عملية القتل! وهو نفسه الذي قال إنه لا يريد خسارة السعودية لأنها زبون كبير.. نعم وصفها بالزبون، لا أبالغ بل أنقل حرفيًا ترجمة وصفه لما قال. عمومًا كل هذا وغيره يتماشى مع الرئيس تاجر الشنطة الذي يتباهى على المواطن الأمريكي بأنه أدخل إلى الخزانة الأمريكية ما لم يدخله رئيس منذ جورج واشنطن! إذًا لا عجب ولا ضير.

2-يتبقى السؤال هنا عن الدور الذي ستلعبه الميديا والصحافة الأمريكية وكل ما يمثل القوة الضاغطة على ترامب والكونجرس الأمريكي في مقابل استمرار وهج القضية حتى الوصول إلى المسؤول أ عن إصدار أمر الاغتيال والوحشية، برأيك هل ستنجح؟

ملف التسريبات

حسنًا لا تشغل بالك كثيرًا بالدور الذي ستلعبه التسريبات في الأيام القليلة القادمة، ومتى ستخرجها تركيا للعلن، وبالطبع لن تعلن عن الطريقة التي حصلت بها عليها؛ إذ إنَّه ليس كل ما يُعرف أو يُفعَل يقال، ويكفي أنَّ أردوغان وترامب وسلمان وحدهم يعرفون من أين حصلت تركيا على هذه التسريبات.. وعلى المستوى الشخصي كما قلت في البداية لم تعد تعنيني كثيرًا قضية التسجيلات الصوتية مقابل اعتراف الممكلة بمقتل الرجل، اللهم إلا لو حملت هذه التسريبات خيطًا جديدًا يدل على الرجل الأول في العملية! ربما تقلب تركيا الطاولة – وإن كنت أستبعد ذلك لاعتبارات دولية ومصالح مشتركة – على السعودي وتخرج دليلًا جديدًا على مسؤولية شخص بعينه، أو ستخفي تركيا ما لم تظهره بعد، أو ما لن ستظهره إلى الأبد! الأيام علمتني أنَّ الأيام كاشفات تصريحًا أو تلميحًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!