لم تكن لعبة تجميع الصور مجرد وسيلة للتسلية، انتهت مع انتهاء سن الطفولة، وتجاوزت كونها مجرد لعبة أطفال؛ هدفها ترتيب الصور داخل مربع اللعبة؛ لرؤية الشكل الكامل للصورة، بعد تركيز كبير، ومجهود ذهني؛ لتحقيق هذه الغاية من اللعبة، حتى أصبحت قاعدة تتملك الكثيرين في حكمهم على الأمور، وتقييم المواقف.

وبنفس أبجديات لعبة الطفولة، وبنفس قواعد اللعبة، ثمة أحداث ربما تنسجم في محتوى كل حدث مع الآخر، وترتيبها ينتج عنه صورة أعم وأشمل من تلك التي نراها لكل حدث على حدةٍ.

الصورة الأولى: موافقة اللجنة القضائية بالكونجرس على مشروع قانون باعتبار الإخوان المسلمين جماعة إرهابية، «17 موافق – غير موافق 10»، وطرح المشروع في جلسة عامة للكونجرس.

الصورة الثانية: اليوم التالي لموافقة اللجنة القضائية بالكونجرس، خطاب السيسي «إنتوا مين»، وقد ظهر متوترًا يملؤه الخوف، وسيطر على حديثه فكرة سقوط نظامه.

الصورة الثالثة: حالة سكون لإعلام النظام، وعلى غير المتوقع، لم تقم الأفراح على قرار اللجنة القانونية الذي يمثل حلمًا لهم، ويتبنى خطابهم المعادي للإخوان.

الصورة الرابعة: إعلان الحكومة المصرية بشكل مفاجئ عن اتفاقية التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية.

الصورة الخامسة: لقاء السيسي مع أدواته «إعلام، نواب، سياسيين، مسئولين»، وكان واضحًا عليه التوتر.

الصورة السادسة: التصعيد الإيطالي، وقرار وقف التعامل مع فريق التحقيق المصري في قضية «جوليو ريجيني»، وسحب السفير.

الصورة السابعة: جمعة الأرض وتظاهرات حاشدة تجاوزت الانقسام الثوري والقبضة الأمنية، حتى جابت المسيرات منطقة «وسط البلد»، واستقرت أمام نقابة الصحفيين، بعد عامين من منع تلك التظاهرات في قلب العاصمة «عاصمة الثورة».

الصورة الثامنة: اجتماع السيسي ببعض الشباب المقربين لنظامه في الصحراء بالتزامن مع جمعة الأرض.

الصورة التاسعة: مؤتمر السيسي والرئيس الفرنسي، وقد ظهر على نفس حال اللقاءات السابقة، وسيطر على حديثه فكرة سقوط الدولة، ومخاطر ذلك على المنطقة، والعالم أجمع.

الصورة العاشرة: تصريح «جون كيري» أمام لجنة العلاقات الخارجية بالكونجرس: بأن «الإخوان» ليست جماعة إرهابية.

الصورة الحادية عشرة: تصريح «آن باترسون»، مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشئون الشرق الأوسط، أمام لجنة فرعية بالكونجرس، ورفض الإدارة الامريكية لمشروع اعتبار الإخوان جماعة إرهابية.

الصورة الثانية عشر: بيان الخارجية الأمريكية يوم جمعة الأرض، وأن الولايات المتحدة الأمريكية تتابع ما يحدث في مصر.

كل هذه المشاهد المتعاقبة تحدث قبل ثلاثة أشهر من انتهاء ولاية «الدكتور مرسي» في «30 يونيه 2016»، ويعزز الرأي القائل بأن الحل مرهون بهذا التاريخ؛ في ظل صمود وتحدي الدكتور مرسي، ورفضه الخضوع لأوامر الغرب والثورة المضادة.

ليبقى السؤال: هل فعلًا توافرت في الحالة المصرية الحالية عناصر لعبة الصور، ويمكن ترتيبها لرؤية الصورة الشاملة للمشهد؟ على نحو أن صانعي القرار قد توصلوا لمخرج يبقي لهم نفوذهم وقوتهم داخل الدولة، وتقديم بعض التنازلات الصورية؛ لتهدئة الشارع المصري، والعودة لسيناريو الحكم من خلف ستار ديموقراطي، وهامش من الحرية محددة الإطار، وأنه تم طرح المخرج على الإخوان المسلمين من جهة، وكان قرار اللجنة القضائية بالكونجرس وسيلة ضغط على الجماعة؛ لقبول المخرج، وعلى المؤسسة العسكرية من جهة أخرى، ويبدو من ردود أفعال السيسي أنه خارج الحل، ولا يرحب به هو ومعسكره، على العكس من المعسكر الرافض له داخل المؤسسة العسكرية الذي يرحب بالحل!

وفي نفس السياق، فإن عملية إخراج المشهد الأخير قد بدأت، وأن اتفاقية «تيران وصنافير»، وتوظيف قضية «جوليو» والسماح للتظاهرات الشعبية بالخروج لمناطق كانت قد حرمتها السلطة، والتدهور الاقتصادي، والفشل العسكري في سيناء، والانهيار الأمني، ​​مشاهد حددها المخرج، وينفذها معسكر ما، داخل مؤسسات الدولة.

كما أنه، ومع هذا التصور لا نغفل دور الثوار بخروجهم اليومي في الشوارع على مدار أكثر من عامين، رغم سوء إدارة المشهد، على مستوى القادة، كسبب رئيس دفع صانعي القرار للوصول إلى هذا المشهد، وأن عدم خروجهم كان سيوفر المناخ لاستمرار نظام السيسي وتقويته.

علينا أن ندرك طبيعة الانطلاقة الثورية الجديدة، وتحديد الوجهة، والهدف، برؤية واضحة، ومراعاة ماينقصنا من أدوات، والعمل على توفيرها.

وإذا كانت هذه الأحداث غير مرتبطة ببعضها البعض، فلماذا لم يحتفل الإعلام بقرار اللجنة القضائية بالكونجرس؟ ولماذا كل هذا الخوف في خطابات السيسي؟ ولماذا يقدم النظام على حماقة تيران وصنافير، في ظل غضب شعبي كبير، يوشك على الانفجار، في ظل انهيار الوضع الاقتصادي والأمني ​​والمعيشي، بدرجة لا يمكن تصور تبعات استمرارها لعدة أشهر قادمة؟

رب خطوة يريدها لك عدو؛ ليغتال حلمك، وبوعيك وفهمك وإدراكك، تجعلها نقطة انطلاق؛ لنصر لا يراه إلا عقلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد